الأموال الساخنة تهرب من الأسواق
تسبب خروج الأموال الساخنة من أسواق المال العالمية بهزة شديدة في الأسواق، مما أسفر عن تراجع في أسعار العملات المحلية في الدول النامية، وعن خسائر في الأسواق العالمية مثل وول ستريت، التي أغلقت على تراجعات حادة خلال جلسات الأسبوع الماضي؛ فما هو تأثير هجرة الأموال الساخنة على الأسواق والدول في ظل استمرار الحرب الإيرانية - الأميركية؟
يقول عمرو وهيب خبير أسواق المال لـ"النهار" إن الأموال الساخنة عبارة عن استثمار أجنبي في أدوات الدين قصيرة الأجل. مع اندلاع الحرب، يعتمد الكثير من المستثمرين على "الأموال المحمولة"، وهي أموال تم اقتراضها بعملة منخفضة الفائدة للاستثمار بها في أسواق دول أخرى ذات فائدة مرتفعة. تزامن مع اندلاع الحرب الإيرانية - الأميركية في أواخر شباط (فبراير) الماضي رفع بنك اليابان سعر الفائدة، ما دفع العديد من المستثمرين لسحب استثماراتهم من وول ستريت وإعادتها إلى اليابان أو الاحتفاظ بها لحماية أرباحهم من التآكل.
لعبة الصناديق في وول ستريت
يشير وهيب إلى بيانات (LSEG Lipper)، التي نقلتها رويترز، وأظهرت سحب 9.6 مليارات دولار من الصناديق المركّزة على الأسهم الأميركية في بداية الصدمة، ثم 21.92 مليار دولار صافي تخارج من صناديق الأسهم الأميركية في الأسبوع المنتهي في 4 آذار (مارس)، مقابل دخول 22.51 مليار دولار إلى صناديق أسواق النقد الأميركية كملاذ نقدي، و30.75 مليار دولار في قراءة سابقة مع تصاعد الحرب؛ فالأموال لم "تخرج من أميركا" بالضرورة، بل تحرّك جزء كبير منها من الأسهم إلى النقد وأدوات الملاذ الآمن.
يذكر أن بنك اليابان رفع أسعار الفائدة إلى 0.75%، وهو أعلى مستوى في 30 عاماً (منذ 1995)، منهياً حقبة من السياسة النقدية شديدة التيسير، في خطوة تهدف لكبح التضخم وتدعيم الين.
ويقول هاني صبحي خبير أسواق المال لـ"النهار" إن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة أعاد خلط الأوراق في وول ستريت، بعدما دفع المستثمرين إلى فك مراكز الأموال المحمولة المبنية على الاقتراض الرخيص بالين لتمويل شراء أصول أميركية أعلى عائداً.
ومع صعود العملة اليابانية، بعد خطوة البنك المركزي في تموز (يوليو) 2024، تراجعت جاذبية هذا الرهان سريعاً، ما أجبر صناديق ومستثمرين على بيع أسهم وأصول مخاطرة في الولايات المتحدة لتقليص الرافعة المالية وسداد التمويل، وهو ما ساهم في تعميق موجات التقلب والضغط على مؤشرات الأسهم الأميركية بالتوازي مع إعادة تسعير توقعات الفائدة العالمية.
وكان بنك اليابان قد أنهى بالفعل أسعار الفائدة السلبية في آذار (مارس) 2024 قبل أن يرفع الفائدة مجدداً في تموز (يوليو) 2025، بينما تشير تحليلات رويترز إلى أن صعود الفائدة اليابانية جعل رهانات الين الرخيص أقل ربحية، وسرّع تفكيك صفقات دعمت لسنوات شراء أصول ذات عائد أعلى، بينها أصول في السوق الأميركية.

كيف تضررت مصر من هجرة الأموال الساخنة؟
يلفت خبير أسواق المال إلى سوق الدين المصرية التي تعد أكثر المتضررين من تداعيات الحرب الإيرانية، حيث باع المستثمرون الأجانب أذون خزانة مصرية خلال تعاملات الثلاثاء 10 آذار (مارس) الجاري بقيمة 1.14 مليار دولار، وفقاً لما أظهرته بيانات البورصة المصرية، فيما اشترى المستثمرون العرب أذون خزانة مصرية بقيمة 65.07 مليون دولار بنهاية تعاملات اليوم.
وحتى الآن، تشير البيانات إلى تخارجات للأموال الساخنة من أدوات الدين المحلية المصرية بلغت أولاً نحو 2.6 مليار دولار، وفق تقدير لرويترز بتاريخ 6 آذار (مارس)، ثم رفعت إي إف جي هيرمس (EFG Hermes) تقديرها إلى صافي خروج ما بين 5 و6 مليارات دولار منذ منتصف شباط (فبراير) 2026 مع تفاقم الحرب، بحسب بلومبرغ في 8 آذار (مارس).
وبلغ سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري للبيع 52.06 جنيهاً، وللشراء 51.92 جنيهاً. وجاء الارتفاع الكبير في سعر الدولار في مصر بعد أشهر من الاستقرار النسبي لسعر الدولار مقابل الجنيه، إذ كان يحوم ما بين 47 إلى 48 جنيهاً، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وتعد أذون وسندات الخزانة بمثابة أدوات مالية يطرحها البنك المركزي المصري نيابة عن وزارة المالية المصرية بشكل دوري أسبوعياً، بهدف مساعدة الحكومة على تمويل عجز الموازنة العامة.
ومنذ بداية الحرب وحتى الآن ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه بنحو 4 جنيهات أي نحو 8% مقارنة بمستوياته مع بداية شهر آذار (مارس) 2026، وهو أعلى مستوى سجله على الإطلاق.
وجاء ارتفاع الجنيه مدفوعاً بتخارج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية، إذ بلغ حجم تخارج الأجانب منذ بداية الأسبوع حتى جلسة أمس 592.8 مليون دولار، وفقاً لبيانات البورصة المصرية.
وعادة ما تتجه الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة (مثل مصر) في فترات التوترات الجيوسياسية وارتفاع المخاطر، وهو ما يدفع إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية عمليات الخروج من السوق المحلية.
وبحسب وهيب، أدى خروج الأموال الساخنة من أدوات الدين قصيرة الأجل إلى تعميق التقلبات في أسواق المال العالمية، مع انتقال المستثمرين سريعاً من الأصول الأعلى مخاطرة إلى النقد والدولار وسندات الملاذ الآمن، وهو ما يرفع كلفة الاقتراض ويضغط على العملات المحلية وعوائد السندات في الاقتصادات الناشئة على وجه الخصوص.
وعادة ما تكشف هذه التدفقات العكسية هشاشة النماذج التمويلية المعتمدة على استقطاب رؤوس الأموال السريعة، إذ تجد الحكومات نفسها أمام مزيج صعب من تراجع السيولة، وارتفاع خدمة الدين، واتساع الضغوط التضخمية إذا انعكس ضعف العملة على أسعار الواردات. وفي الأسواق العالمية، يمتد الأثر إلى إعادة تسعير المخاطر عبر فئات الأصول المختلفة، من الأسهم إلى الائتمان والعملات، بما يعزز حالة الحذر ويقيد شهية المستثمرين تجاه الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي قصير الأجل.
نبض