الذهب يخيّب رهانات المتداولين: لماذا لم يقفز رغم الحرب الأميركية – الإيرانية؟

اقتصاد وأعمال 11-03-2026 | 08:22

الذهب يخيّب رهانات المتداولين: لماذا لم يقفز رغم الحرب الأميركية – الإيرانية؟

رغم تصاعد التوترات العسكرية، لم تتجاوز أسعار الذهب مستوى 5400 دولار للأونصة، ما أثار تساؤلات في أوساط المستثمرين حول الأسباب التي أبقت المعدن الأصفر ضمن هذا النطاق.
الذهب يخيّب رهانات المتداولين: لماذا لم يقفز رغم الحرب الأميركية – الإيرانية؟
سبائك ذهب (أ ف ب)
Smaller Bigger

مهى كنج

راهن كثيرون من المتداولين على أن اندلاع مواجهةٍ بين الولايات المتحدة وإيران سيدفع أسعار الذهب إلى الارتفاع الحاد، باعتباره الملاذ التقليدي والأمن في أوقات الأزمات. إلا أن السوق خيّبت هذه التوقعات، إذ بقيت الأسعار ضمن نطاقها ولم تشهد الاندفاعة التي توقعها المستثمرون. يتداول الذهب اليوم بنحو 5170 دولاراً للأونصة، في وقتٍ يوازن فيه المستثمرون بين المخاطر الجيوسياسية من جهة، وتأثير السياسة النقدية العالمية من جهة أخرى، فالأسواق المالية لا تتفاعل مع الحرب وحدها.

فرغم تصاعد التوترات العسكرية، لم تتجاوز أسعار الذهب مستوى 5400 دولار للأونصة، ما أثار تساؤلات في أوساط المستثمرين حول الأسباب التي أبقت المعدن الأصفر ضمن هذا النطاق، في حين أن تاريخ الأسواق المالية يظهر عادةً أن الحروب تدفع المستثمرين إلى التوجه بكثافةٍ نحو الأصول الآمنة، إذ على عكس السندات والأسهم، لا تعتمد قيمته على وعود الحكومات بالدفع أو قدرة الشركات على تحقيق الأرباح. ولهذا السبب غالباً ما ترتفع قيمة المعادن النفيسة في أوقات الحروب، نظراً إلى محدودية المعروض منها.

سبائك من الذهب على وزن كيلو غرام (أ ف ب)
سبائك من الذهب على وزن كيلو غرام (أ ف ب)

 الذهب كان قد بدأ بالفعل مساراً صعودياً قبل اندلاع النزاع، مدعوماً بعمليات شراءٍ كثيفةٍ من البنوك المركزية الرئيسية، لأسبابٍ عدة  أبرزها التخوف من تدخل الرئيس الأميركي في السياسات النقدية وتأثيرها على التضخم، تزامناً مع التوترات الجيوسياسية التي كانت قائمة، وعندما تصاعدت التوترات، كان المتداولون قد سعّروا مسبقاً جزءاً كبيراً من المخاطر الجيوسياسية، ما حدّ من تأثير الحوادث الجديدة على الأسعار.

عوامل ضغطت على الذهب

هناك مجموعة من العوامل ساهمت في الحدّ من صعود الذهب، أبرزها:

 

-جني الأرباح: عمد بعض المستثمرين إلى بيع جزءٍ من حيازاتهم بعد الارتفاع القوي الذي سجله الذهب في الأشهر الماضية، بهدف تأمين السيولة وتعويض خسائر في أسواق أخرى.
-تشديد شروط التداول: رفعت مجموعة CME متطلبات الهامش لعقود الذهب والفضة الآجلة، ما دفع بعض المضاربين إلى تقليص مراكزهم، كضمانٍ عند فتح أو الاستمرار في مركز تداول (شراء أو بيع عقود آجلة).
-مخاوف من بيع البنوك المركزية: أثرت شائعات حول احتمال قيام بعض البنوك المركزية ببيع جزءٍ من احتياطاتها من الذهب سلباً على معنويات السوق، خصوصاً في ظل توجه بعض الدول إلى تعزيز إنفاقها العسكري.
-قوة الدولار وارتفاع العوائد: أدى صعود الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى تقليص جاذبية المعادن التي لا تدرّ عائداً.

وفي حديثٍ  إلى "النهار"، اعتبرت مديرة قسم الأبحاث والتحليل في شركة "River Prime"، أسيل العرنكي أنه رغم  التوترات الجيوسياسية الناتجة من الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران ودخولها أسبوعها الثاني، لم يشهد الذهب ارتفاعاً حاداً كما هو معتاد تاريخياً في أوقات الأزمات. ويعود ذلك إلى قوة الدولار الأميركي، الذي يتداول عند مستويات 99 نقطة، ما حدّ من جاذبية المعدن، وتفضيل بعض المستثمرين جمع السيولة أو التحوّل إلى أصولٍ أكثر عائداً، بالإضافة إلى جني الأرباح بعد ارتفاعاتٍ سابقة. وزادت التحديات اللوجستية من ضعف الزخم الصعودي، إذ أدى الإغلاق الجزئي للمجال الجوي لدولة الإمارات إلى تكدس شحنات الذهب وتأخير وصولها إلى الأسواق الآسيوية، مع رفض بعض الشركات المخاطرة بنقل الشحنات براً، ما نتج منه نقص موقت في توافر المعدن في أسواقٍ رئيسيةٍ مثل الهند. رغم ذلك، فقد سجل الذهب الأسبوع الماضي تراجعاً بأكثر من 2%، على عكس توقعات غالبية المحللين بصعوده نتيجة الأزمة.

واليوم تقف الأسواق عند مفترق طرقٍ بين ترقب انتخاب رئيسٍ جديدٍ للبنك الفدرالي اللأميركي وموجةٍ من الضبابية التي أصبحت طبيعة المشهد الاقتصادي. وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة، يطرح الذهب نفسه كأصلٍ تحت المراقبة الحذرة، بينما يستعد صناع القرار والبنوك المركزية لمواجهة أي صدمات محتملة قد تهز الأسواق.

النفط يغيّر مسار الذهب

مع صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، تعود مخاوف التضخم لتفرض نفسها بقوةٍ على الأسواق العالمية. هذا الارتفاع يعزز التوقعات بأن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعةً لمدةٍ أطول، ما يضع الذهب أمام ضغوطٍ نقديةٍ متزايدة. وبين تأثيرات الطاقة وتشدد السياسة النقدية، يتحرك المعدن الأصفر ضمن توازنٍ دقيقٍ بين المخاطر والدعم.

وأشارت إلى أن الذهب يشهد حالياً ضغوطاً جزئية نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام، إذ تجاوز خام برنت أمس 119 دولاراً للبرميل مع بداية تداولات هذا الاسبوع، وهو الأعلى منذ 2022، ما عزز المخاوف من التضخم وزاد احتمالات أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعةً لمدةٍ أطول.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن من المرجح أن يحافظ  الفيدرالي على سعر الفائدة ضمن نطاقه الحالي بين 3.50% -3.75%، مع احتمال تثبيت فائدةٍ تصل إلى 97.4%، في مقابل 2.6% فقط لاحتمال خفضها بمقدار ربع نقطة، وفق أداة CME FedWatch Tool، كما تشير التوقعات المتوسطة إلى خفض فائدة واحد فقط خلال عام 2026، وهو ما يعكس حالةً من الحذر لدى صناع القرار والمحللين بسبب التقلبات الاقتصادية القائمة. عوامل مثل التضخم، قوة سوق العمل، والأحداث الجيوسياسية، بخاصة المتعلقة بإمدادات الطاقة، ستحدد توقيت وكيفية اتخاذ اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة قراراتها في هذا العام. ورغم هذه التحديات، بقي الذهب مرتفعاً منذ بداية العام بنحو الخُمس، مدعوماً بالاضطرابات الجيوسياسية وتهديدات استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى مشتريات البنوك المركزية الكبيرة، بخاصة بنك الشعب الصيني الذي واصل شراء الذهب للشهر السادس عشر على التوالي، مما دعم المعدن الأصفر كأصلٍ آمنٍ في ظل حالة عدم اليقين العالمي.

صراع صامت على الذهب

لا يتحكم الذهب مباشرة بالبنوك المركزية، بل تحدده قوى العرض والطلب في الأسواق العالمية. ومع ذلك، تبقى تحركاته حساسةً للسياسات النقدية وقوة العملات، ما يجعل للبنوك تأثيراً غير مباشر. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت البنوك نفسها لاعبةً رئيسيةً من خلال زيادة مشترياتها لتعزيز احتياطاتها وتنويع الأصول.
في هذا السياق، لفتت العرنكي الى أن البنوك المركزية أو الاحتياطي الفيدرالي لا تتدخل بشكل مباشر للحدّ من تقلبات أسعار الذهب، لأن الذهب يُعدّ أصلاً حراً يتحدد سعره في الأسواق العالمية وفق العرض والطلب، وليس هدفاً مباشراً للسياسة النقدية. لكن السياسات النقدية للبنوك المركزية تؤثر بشكل غير مباشر على الذهب من خلال أدواتٍ مثل أسعار الفائدة، إدارة السيولة، وقوة العملات.

وتابعت أن البنوك المركزية تؤثر في السوق من خلال سياسات شراء الذهب ضمن احتياطاتها، بحيث زاد العديد من البنوك المركزية حول العالم من مشترياتها في السنوات الأخيرة بهدف تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. ومن أبرز الأمثلة استمرار بنك الشعب الصيني في شراء الذهب لأشهر متتالية، وهو ما ساهم في دعم الطلب العالمي على المعدن الأصفر.

وفي المقابل، أدت التطورات الجيوسياسية إلى قفزةٍ في أسعار الطاقة، مع تزايد المخاوف من تعطل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم، الأمر الذي أثار قلق الأسواق العالمية بشأن موجة تضخمٍ جديدة.

في المحصلة، شهد الذهب ارتفاعاً مطرداً قبل اندلاع النزاع، مدعوماً بعمليات شراء البنوك المركزية وضعف العملات. والمخاوف اليوم تتمثل في إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، ما يشلّ نحو 20% من حركة الملاحة العالمية.

وما يحافظ على ثبات أسعار الذهب ضمن مستوياتٍ محددةٍ هو تسييل بعض الدول الكبرى ذهبها، والتوجه نحو التسلح وتمويل القدرات العسكرية. والمخاوف لم تعد اليوم تقتصر على متابعة ارتفاع أسعار الذهب، بل الخوف الأكبر من انضمام دول جديدة إلى الحرب.

ويبقى الذهب عبر الحروب والأزمات ملاذاً آمناً لا يخون. ورغم أنه جامد ولا يحقق للمستثمر عائدا قصير المدى، إلا أنه ضمان بعيد المدى، وصخرة صامدة وسط عواصف المخاطر الجيوسياسية، مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية وضعف العملات.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً