بعد سلاح هرمز... كيف تُحوّل إيران حرق حقول نفط الخليج ورقة ضغط على أميركا؟
في الحروب الحديثة، لا تُقرأ الخرائط العسكرية وحدها؛ تُقرأ معها ناقلات النفط ومستودعات الغاز وأسعار العقود الآجلة. ما يجري اليوم في الخليج ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو رهان إيراني محسوب على الألم الاقتصادي: إرفع أسعار النفط، واملأ خزانات الخليج حتى الحافة، وانتظر حتى يطرق المستهلك الأميركي أبواب البيت الأبيض.
لكن الرهانات المحسوبة كثيراً ما تُفضي إلى خسائر غير محسوبة.
استراتيجية الألم المزدوج
منذ الضربات الإيرانية على المنشآت النفطية في السعودية وقطر والإمارات والكويت مطلع الأسبوع الماضي، تكشّفت معالم استراتيجية متعددة الهدف: الهدف الأول مباشر: رفع أسعار النفط يُمكّن طهران من تمويل آلتها الحربية بعائدات أعلى، حتى لو كانت صادراتها مقيّدة بالعقوبات. الهدف الثاني أكثر مكراً: حين يتجاوز برنت سقف التسعين دولاراً للبرميل، وحين يتحوّل الغاز المسال إلى سلعةٍ نادرةٍ بعد توقف قطر عن الإنتاج، يتحوّل ضخ التضخم في الاقتصاد الأميركي إلى ضغطٍ شعبيٍّ على إدارة ترامب لإيجاد مخرجٍ للأزمة.
الحلقة الضعيفة في هذه المعادلة هي أن الخليج —لا أميركا— يدفع الثمن المباشر. دول تصدّر نفطها عبر هرمز، تجد نفسها الآن في مأزق مزدوج: إما أن تُبقي حقولها تنتج حتى تمتلئ الخزانات وتُضطر إلى الإغلاق، وإما أن تُغلق الحقول استباقاً وتتكبّد أكلاف إعادة التشغيل التي قد تمتد أسابيع.

الحالة القاهرة الكبرى
الحالة القاهرة ليست مجرد مصطلحٍ قانونيٍّ تعاقدي، بل هي في هذا السياق إشارة سوقية بالغة الخطورة. أعلنت "قطر للطاقة" القوة القاهرة على مشتري الغاز المسال بعد أن أوقفت إنتاجها في مجمع رأس لفان ومصيعد الصناعي، محذّرةً من أن إعادة التشغيل الكاملة لن تتحقق في أقل من أربعة أسابيع. قطر تمثل 20% من المعروض العالمي من الغاز المسال؛ فراغها لأسابيع يمسّ أوروبا وآسيا في آنٍ واحد.
العراق، الذي يجلس على الحدود الرخوة بين طهران وبغداد، لم يسلم بدوره. أغلق حقل الرميلة، أكبر حقوله، بعد امتلاء الخزانات وانقطاع حركة الناقلات عند موانئ التصدير الجنوبية. الخسارة اللحظية تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً، مع تحذيراتٍ من أن الأرقام قد تتضاعف. هذا تناقض صارخ: العراق المتحالف مع إيران سياسياً يدفع فاتورةً باهظةً من خزيناته النفطية. والأن الكويت والإمارات تنضمان إلى معسكر خفض الإنتاج.
مناورة واشنطن والبحث عن سقفٍ للأسعار
الإدارة الأميركية أدركت أن ضغط المضخة هو المتغير السياسي الأخطر، فسارعت إلى مناورة بالغة الدلالة: وجّه الرئيس ترامب مؤسسة تمويل التنمية الدولية لتقديم ضمانات تأمينية للناقلات العابرة هرمز، في حين لا تستبعد البحرية الأميركية مرافقة الناقلات عسكرياً إذا اقتضى الأمر. لكن الأرقام على الأرض تُنبّه إلى حجم التحدي: أسعار التأمين على المخاطر الحربية قفزت اثنتي عشرة مرة قياساً بما قبل الأزمة، وأكلاف استئجار ناقلات النفط العملاقة تجاوزت 770 ألف دولار يومياً؛ أي أن تكلفة كل شحنة ارتفعت ارتفاعاً يُعيد رسم معادلة الجدوى الاقتصادية لمشتري النفط حول العالم.
ورصدت وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الأخير قبل اندلاع الأزمة، فائضاً عرضياً في السوق يبلغ نحو 3.8 ملايين برميل يومياً للربع الأول. هذه الوسادة الاحتياطية هي ما يحول دون انفجارٍ أسعاريّ حادٍ في الأمد القريب، لكنها لن تصمد إلى الأبد أمام انقطاع الإمدادات.

رقم الكعبي: ورقة ضغط أم إنذارٍ حقيقي؟
في مقابلةٍ مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، أطلق وزير الطاقة القطري سعد بن شريدة الكعبي رقماً صاعقاً: 150 دولاراً للبرميل خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إذا ظل هرمز مغلقاً. مع برنت عند 89 دولاراً حين الإدلاء بهذا التصريح، يكشف الرقم عن فجوةٍ واسعةٍ بين السعر الراهن والسقف المُخيف. لكن الرقم بذاته يخدم هدفاً مزدوجاً: إنذار الغرب بمغبة التقاعس عن حماية الممر المائي الأهم في العالم، وفتح هامشٍ تفاوضيّ أمام دول الخليج لطلب ضماناتٍ أمنيةٍ في مقابل استمرار الإمدادات.
أضاف الكعبي تحذيراً موازياً: أسعار الغاز قد تبلغ 40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، أي أعلى بأضعاف من متوسطاتها قبل الأزمة.
السعودية: درع السوق في مواجهة الضرورة
تمتلك المملكة العربية السعودية ما لا تمتلكه سائر دول الخليج: تنويع جغرافي حقيقي في منافذ التصدير. ينبع والبحر الأحمر لا يزالان يعملان بطاقةٍ جزئية، فضلاً عن مخزونات استراتيجية في أوكيناوا باليابان، وسيدي كرير في مصر، وروتردام. هذا يمنحها دوراً حيوياً كمنظّم لتوقعات السوق، ويُخفف من حدة التقلبات. بيد أن هذه الميزة مشروطةً بشرطٍ صارم: ألّا تتحول مخازنها إلى بديل من الصادرات المتوقفة لفترة تتجاوز الطاقة الاستيعابية. الساعة تدق.
ثمة تحدٍّ استراتيجي أعمق تواجهه الرياض. تعلم أن إبقاء الإمدادات في متناول السوق العالمية يُعزز مكانتها بوصفها مرساة الاستقرار النفطي. لكن لو اضطرت هي الأخرى إلى خفض إنتاجها، تسقط آخر أوراق الاتزان في السوق.
سيناريو الفوضى من بوابة طهران
يتداول بعض المحللين سيناريو إطاحة النظام الإيراني كمخرج استراتيجي، مستحضرين نموذج فنزويلا حيث فُتح الباب للشركات الأميركية بعد تغيير المعادلة السياسية. لكن المقارنة تتهاوى عند أول اختبار جدي: إيران ليست دولة في الفناء الخلفي للنفوذ الأميركي، ونموذج العراق بعد 2003 يُقدّم درساً مؤلماً، إذ لم تصمد شركات النفط الأميركية والأوروبية الكبرى طويلاً في حقوله، وملأ الفراغ مشغلون صينيون. الفوضى عقب انهيار النظام قد تكون أكثر إضراراً بالإمدادات من الأزمة الراهنة ذاتها.
ثمة سيناريو ثانٍ يُلوح في الأفق: رفع العقوبات عن روسيا تدريجاً لضخّ إمداداتٍ إضافيةٍ في السوق وتكسير حدة الارتفاع السعري. لا يمكن إثبات هذه الفرضية، لكن توقيتها يتقاطع مع مساعي الإدارة الأميركية لتقريب موسكو من واشنطن في ملفاتٍ أشمل.

من يضرب نفسه في المقتل؟
الفخ الذي نصبته إيران ينطوي على مفارقة قاتلة: أكبر المتضررين من بقاء هرمز مغلقاً على المدى الطويل هو إيران نفسها. الصين، المستورد الأكبر للطاقة في العالم والمستفيدة من نفط إيران المخفّض، لن تتحمل إضرار حليفتها باقتصادها عبر إطالة أمد الأزمة. والاقتصاد الإيراني، المنهك أصلاً بالعقوبات، لا يتحمّل فصلاً طويلاً من أسواق الطاقة الإقليمية.
وكالتا "أوبك" والطاقة الدولية ستُصدران تقريريهما الشهريين خلال أيام، في أجواء أثقل من أي وقت مضى. ستكون مرجعاً للسوق حول نظرة المؤسستين الى ما حدث في المخزونات والطلب. لكن مهما قالت الأرقام، يبقى السؤال السياسي هو المحوري: هل تتحمل واشنطن، التي جعلت من أسعار الطاقة محوراً لسياستها الاقتصادية الداخلية، بقاء هرمز على وضعه الراهن لأسابيع إضافية؟
الإجابة تكاد أن تكتب نفسها.
نبض