سبق تشريعي يعيد رسم دور المرأة في الاقتصاد الإماراتي.... العوضي لـ"النهار": التحدي في الوصول إلى المناصب القيادية
على امتداد العقود الماضية، خاضت المرأة العربية مساراً شاقاً في بعض الأحيان لتعزيز حضورها في اقتصادات بلادها. فبين تحدّيات اجتماعية وهيكلية من جهة، وتحولات تشريعية وتنموية من جهة أخرى، لا تزال بعض الدول تواجه فجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي، فيما نجحت دول أخرى في تقليص هذه الفجوة عبر منظومة متكاملة من التشريعات والسياسات الداعمة.
بيد أن التجربة لم تكن متجانسة في العالم العربي، فقد برزت نماذج استطاعت نقل ملف تمكين المرأة من إطار الخطاب التنموي إلى سياسة عامة ذات أثر ملموس. وفي مقدمة هذه النماذج، تبرز دولة الإمارات التي نقلت مشاركة المرأة من نطاق الدعم الرمزي إلى إطار مؤسسي قائم على التشريع والحوكمة وقياس الأثر.
فحضور المرأة في الاقتصاد الإماراتي لم يعد مجرد مؤشر اجتماعي إيجابي، بل تحول إلى عنصر بنيوي في معادلة النمو والاستدامة. هذا التحول، برأي رئيسة مجلس سيدات أعمال الإمارات السابقة وأول مهندسة تصميم داخلي في دولة الإمارات العربية المتحدة فريدة العوضي، لم يكن وليد مبادرات ظرفية، بل نتيجة مسار تشريعي وتنظيمي استبق الواقع في أحيان كثيرة ودفعه إلى الأمام.
في كثير من التجارب، يأتي القانون استجابة لتغير اجتماعي سبق حدوثه. لكن في الحالة الإماراتية كان السؤال مختلفاً: هل سبقت المرأة التشريع أم هو التشريع الذي مهّد الطريق؟
والمميز في تجربة الإمارات برأيها أن "التشريعات لم تنتظر التغيير الاجتماعي بالكامل، بل قادت التغيير. قانون العمل الاتحادي (33 لسنة 2021) رسّخ مبدأ عدم التمييز والأجر المتساوي، ثم جاءت قرارات الحوكمة التي دعمت تمثيل المرأة في مجالس الإدارة. وبعد أن وضعت هذه الأسس، أصبح القطاع الخاص والاقتصاد عموماً أكثر قدرة على إدماج المرأة بسرعة في فرص عمل وقيادة وتمويل ومشاريع.
أما عن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، فتوضح العوضي بأن "الإمارات نشهد نمواً واضحاً في مشاركة النساء. لكن الفجوة موجودة لأسباب هيكلية أكثر من كونها تشريعية. من أهم الأسباب: تمركز فرص كثيرة في قطاعات تتطلب ساعات طويلة أو تنقّلاً عالياً، إضافة إلى تحديات الترقّي للإدارة العليا مثل شبكات العلاقات المهنية والفرص غير المتكافئة في "مسار القيادة". إلى ذلك، يؤدي جانب التوازن بين مسؤوليات الأسرة والعمل دوراً؛ وهنا تظهر أهمية المرونة الوظيفية، ودعم بيئة العمل، وتطبيق سياسات واضحة لحماية الأمومة.

من أبرز الأسئلة المطروحة في أي اقتصاد حديث ينصبّ على "السقف الزجاجي" وإن كان ما يزال مانعاً للمرأة من الوصول إلى مراكز القرار الاقتصادي.
وفق رؤية العوضي، "السقف الزجاجي عموماً موجود عالمياً؛ وفي الإمارات، تراجع كثيراً بفضل السياسات، لكنه لا يزال يظهر في "المستوى التنفيذي الأعلى": الرئيس التنفيذي، ونواب الرئيس، ومناصب اتخاذ القرار المباشر. المشكلة ليست في القوانين بقدر ما هي في الثقافة المؤسسية ومسارات الترقّي. الحلّ يكون وفق ما تقول "عبر برامج إعداد القيادات، وتوسيع التمثيل في مجالس الإدارة، وربط الحوكمة بالتنوع، وتقييم الأداء والترقيات بمعايير شفافة تضمن تكافؤ الفرص".
مجالس الإدارة… من التشجيع إلى الإلزام
في الاقتصادات المتقدمة، يقاس نضج تمكين المرأة بمدى حضورها في مجالس الإدارة. السؤال هنا لا يقتصر على نسبة التمثيل، بل على طبيعة القرار المنظم له.
العوضي تشدد على أن الإمارات اتخذت خطوة مهمة عبر تحويل تمثيل المرأة إلى مسألة حوكمة واضحة. على مستوى الشركات، فرض وجود تمثيل نسائي في مجالس الإدارة، وتوسّع هذا التوجه لاحقاً ليشمل شركات المساهمة الخاصة، مع تطبيق يبدأ من كانون الثاني 2025، بعد انتهاء الدورة الحالية للمجالس. هذا يعني أن إدماج المرأة في مواقع صنع القرار لم يعد خياراً "تجميلياً"، بل أصبح جزءاً من معايير الإدارة الرشيدة والاستدامة المؤسسية.
في مسألة التمويل ثمة سؤال يفرض نفسه، هل تحصل النساء على الشروط نفسها التي يحصل عليها الرجال؟
توضح العوضي بأن "الإطار العام يتجه نحو المساواة، مع مبادرات داعمة للمشاريع النسائية، إلا أن التحديات العملية قد تظهر في الضمانات أو شبكات العلاقات الاستثمارية. وهي تحديات لا تخص النساء وحدهن، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً في المراحل المبكرة من المشاريع الناشئة".
ما نسبة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء؟ ترى العوضي أن "ريادة الأعمال النسائية أصبحت أحد محركات الاقتصاد الاجتماعي والابتكار. عندما نتحدث عن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يجب أن ننظر أيضاً إلى "جودة" هذه المشاريع: هل تنمو؟ هل تتوسع؟ هل تدخل التصدير والاقتصاد الرقمي؟ الإمارات قطعت شوطاً مهماً في تمكين صاحبات المشاريع عبر التدريب والتمويل والاحتضان. لكن الخطوة المقبلة هي رفع نسب النمو والتوسع، وتسهيل وصول المشاريع النسائية إلى المشتريات الحكومية والشركات الكبرى وسلاسل الإمداد".

مع التحول نحو اقتصاد المعرفة والرقمنة، يبرز سؤال جديد: هل المرأة حاضرة في قطاعات المستقبل أم محصورة في القطاعات التقليدية؟
العوضي تؤكد أن "التمثيل في التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد الرقمي في تصاعد، وأن الاتجاه العام أهم من الرقم اللحظي. التحول الرقمي يفتح فرصاً واسعة أمام النساء، خصوصاً في ريادة الأعمال التقنية، ما يعزز حضورهن في مجالات كانت تعدّ سابقاً محدودة المشاركة".
وترى أنه "لا توجد قطاعات مغلقة رسمياً، لكن بعض المجالات يقل فيها الحضور بسبب طبيعة العمل أو ثقافة بيئة العمل، والحل يكمن في التدريب وإعادة تصميم بيئات العمل لتكون أكثر مرونة".
إذا كانت التشريعات موجودة، فما المطلوب الآن؟
العوضي تركز على التفعيل والقياس: قياس فجوة الأجور بانتظام، توسيع المرونة الوظيفية، دعم الحضانات ومزايا الأسرة، وتعزيز فرص سيدات الأعمال في المشتريات والتمويل. المرحلة المقبلة، في تقديرها، هي مرحلة تعميق الأثر لا سنّ القوانين.
في المحصلة، تنظر العوضي إلى تمكين المرأة باعتباره خياراً اقتصادياً استراتيجياً. مشاركة المرأة ترفع دخل الأسرة، تعزز الاستقرار المالي، تخلق مشاريع وفرص عمل، وتحسن الحوكمة عندما تتنوع القيادة.
التجربة الإماراتية تعكس، وفق تصور العوضي، انتقالاً من تمكين قائم على المبادرات إلى تمكين مؤسّسي مستدام، يجعل المرأة شريكاً كاملاً في صياغة مستقبل الاقتصاد، لا مجرد مستفيدة من نموه.
ويبقى سؤال عمّا إذا تغيّرت نظرة الرجل إلى دور المرأة الاقتصادي؟ تجزم العوضي بأن "التغيير أصبح ملموساً، لأن الاقتصاد نفسه تغيّر. حين يرى المجتمع، رجالاً ونساءً، نماذج ناجحة لنساء في التجارة والإدارة وريادة الأعمال، تتحول الفكرة من "استثناء" إلى "طبيعي". كذلك دور الدولة والمؤسسات في ترسيخ ثقافة المشاركة مهم: عندما تصبح فرص العمل والترقي مبنية على الكفاءة، وعندما ترى المرأة في مجلس الإدارة، تتغير الصورة الذهنية تدريجياً. ومع ذلك، لا نزال بحاجة إلى تعزيز ثقافة الشراكة داخل الأسرة وبيئة العمل لتسريع التحول.
نبض