الأمن الغذائي العربي في مهبّ حرب إيران

اقتصاد وأعمال 08-03-2026 | 10:27

الأمن الغذائي العربي في مهبّ حرب إيران

ثمة من يصف الأزمة الراهنة بأنها تمثل "تهديداً وجودياً" للأمن الغذائي العربي. فما الحقيقة؟
الأمن الغذائي العربي في مهبّ حرب إيران
مزارعون يحصدون موسم الخضراوات في إحدى مزارع رأس الخيمة
Smaller Bigger

منذ بداية 2026، يواجه العالم تحديات معقدة، متمثلة في مزيج من النزاعات المسلحة، والصدمات المناخية، والضغوط الاقتصادية المستمرة منذ مطلع العقد. وبحسب "تقارير برنامج الأغذية العالمي وآفاق الجوع العالمية 2026"، زاد عدد الأشخاص الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي 20% منذ 2020، وضاعف اندلاع الحرب في إيران من حدة الأزمة، إذ صُنفت 16 دولة بصفتها بؤراً ساخنة للجوع تتطلب إجراءات إنسانية عاجلة، مع عودة دول مثل أفغانستان والصومال وسوريا إلى قائمة الاهتمام البالغ.

 

يبقى النزاع المسلح المحرك الأكبر للجوع. يقول تحديث للطوارئ والمرونة الغذائية، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، إن عدد الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد بسبب الصراعات والحروب تضاعف من 74 مليون نسمة في 2018 إلى 140 مليوناً في بداية 2026. وفي ظل الحرب الجارية، ارتفعت مؤشرات أسعار الحبوب العالمية بنسبة تتراوح بين 1 و3% في الأيام الأولى فقط.

 

الشلل اللوجستي وأزمة الحبوب العالمية

يعد إغلاق مضيق هرمز الحدث الأشد تأثيراً على حركة التجارة العالمية، فهو شريان حيوي لنقل الحبوب والسلع الأساسية. وتفيد تقارير تتبع السفن أن حركة الناقلات عبر المضيق تراجعت 83% في غضون 24 ساعة من اندلاع المواجهات، منخفضة من 24 سفينة إلى 4 سفن فقط يومياً.

 

وبحسب نشرة "ميلينغ أند غراين" البريطانية، أدى هذا الإغلاق إلى محاصرة 140 إلى 170 سفينة حاويات وناقلات صب داخل الخليج العربي، ما دفع شركات الملاحة الكبرى مثل "Maersk" و"Hapag-Lloyd" و"CMA CGM" إلى تعليق جميع الحجوزات المتجهة إلى موانئ الخليج أو العابرة للمضيق. تعليق الملاحة شمل المبردات التي تحمل السلع القابلة للتلف، ما هدد مخزونات الغذاء الطازج في المنطقة.

 

توازياً، تأثرت حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس بالتهديدات الأمنية المرتبطة بالحوثيين، حيث تم تحويل مسار السفن القادمة من أوروبا والبحر الأسود والمتجهة إلى آسيا حول طريق رأس الرجاء الصالح. هذا التحويل يطيل زمن الرحلة البحرية 10 إلى 14 يوماً، ويرفع تكاليف الوقود والتأمين. فقد ارتفعت علاوات مخاطر الحرب 300 إلى 500% فوق المعدلات الأساسية، بحسب "ديسكوفيري آليرت".

 

هل يهدد الجوع العالم؟ (أ ف ب)
هل يهدد الجوع العالم؟ (أ ف ب)

 

مسألة المخزون الاستراتيجي

ثمة من يصف الأزمة الراهنة بأنها تمثل "تهديداً وجودياً" للأمن الغذائي العربي. يرى الدكتور فاضل الزعبي، المستشار والخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي وتحويل النظم الغذائية والتنمية الريفية والتعافي بعد الأزمات، أن هذا التوصيف "مبالغٌ فيه في الوقت الحالي، لكن ثمة معطيات عديدة تؤكد أن المنطقة تواجه ضغوطاً متزايدة على أمنها الغذائي، سواء من ناحية التوافر الكمي، أو من ناحية القدرة الشرائية". تُشير البيانات إلى أن أكثر من ثلثي الدول العربية تعاني من معدلات فقر تتجاوز 35%، وهي الفئة الأكثر تضرراً من تضخم أسعار الغذاء الذي يتجاوز اليوم التضخم العام في 54% من دول المنطقة، وفقاً لـ "استجابة البنك الدولي لتزايد انعدام الأمن الغذائي".

 

تستورد دول الخليج 80 إلى 90% من احتياجاتها الغذائية، ويمر 70% من هذه الواردات عبر هرمز. وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطيات الاستراتيجية في الإمارات والسعودية تغطي 4 إلى 6 أشهر، لكن مع استمرار الحرب، بدأت تظهر مخاوف من "نفاذ الرفوف". يعلّق الزعبي على هذه البيانات قائلاً لـ "النهار": "المعايير العالمية تحدد فترة المخزون الاستراتيجي بين 4 و6 أشهر، لكن دول الخليج تتجاوز ذلك إلى أكثر من 12 شهراً في القمح. الأردن يمتلك نحو 15 شهراً من القمح، بينما تتراوح السلع الأساسية الأخرى بين 3 و4 أشهر. مع ذلك، يبقى الخطر قائماً إذا تعرضت هذه المخزونات للاستهداف العسكري أو السيبراني، كما حدث في الموصل في 2014 أو في محاولة اختراق صوامع الأردن مؤخراً"، مذكراً بأن غياب الإنتاج الداخلي في دول الخليج يجعلها تعتمد كلياً على الاستيراد. ورغم إغلاق بعض الطرق الرئيسية، "فإن البدائل قائمة عبر العراق والأردن ولبنان ومصر وموانئ البحر الأحمر، وهذا لا يعني الانهيار، لكنه يفرض إرهاقاً مؤسسياً متفاوتاً بين دولة وأخرى، بحسب حجم المخزون الاستراتيجي ومرونة الاستجابة للأزمات". أما دول المشرق  العربي، كسوريا والأردن ولبنان، فتتمتع - بحسب الزعبي - بنسبة جيدة من الإنتاج المحلي، لكنها لا تكفي لتغطية كامل "السلة الغذائية" الأساسية (قمح وزيوت وسكر) ما يضع ميزانياتها تحت ضغط هائل نتيجة الاعتماد على الاستيراد.

 

أدى تعطل ميناء جبل علي في دبي، الذي يخدم نحو 50 مليون شخص في الإقليم، إلى تحويل العبء اللوجستي كله إلى الطرق البرية عبر السعودية. وأصبحت دول مثل قطر والكويت والبحرين "مغلقة برياً" فعلياً، وتعتمد الآن على "جسر بري" ينطلق من موانئ البحر الأحمر السعودية (جدة وينبع) وصولاً إلى هذه الدول عبر آلاف الكيلومترات من الطرق الصحراوية. وتتسبب عمليات تحويل مسار السفن إلى ميناء جدة، بدلاً من الدمام والجبيل، في إضافة 1200 كم من النقل البري المبرد، ما أدى إلى تضاعف تكلفة الخدمات اللوجستية 30%، وانعكس ذلك في ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة في المنطقة الشرقية 200% في الأيام الأولى للأزمة. يقول الزعبي إن الأزمات المتكررة، منذ جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، دفعت العالم إلى البحث عن بدائل لسلاسل الإمداد، مثل مشروع "الممر الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا" أو الربط بين العراق وتركيا، فهذه المشاريع لم تعد ترفاً بل ضرورة، فتعطيل الإمداد لا يرفع الأسعار فقط، بل يهدد وصول الغذاء في توقيته الملائم".

 

في مصر، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن البلاد في حالة "شبه طوارئ اقتصادية" نتيجة التداعيات المباشرة للحرب على أسعار الصرف وتكاليف الاستيراد. فمصر تُعاني من حساسية مفرطة تجاه تقلبات العملة، حيث فقد الجنيه المصري ثلثي قيمته منذ 2022، ومع ارتفاع أسعار القمح والزيوت العالمية بسبب الحرب، تزايدت الضغوط على ميزانية الدولة المخصصة لدعم الغذاء. في الأردن، اتخذت وزارة الصناعة والتجارة والتموين إجراءات استباقية لتعزيز المخزون الغذائي بتنويع مصادر الاستيراد وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ومنعت تصدير سلع غذائية أساسية "إلا بموجب موافقات رسمية ومبررة"، مؤكدةً أن المخزون الغذائي الاستراتيجي الأردني آمن ومطمئن. أما في لبنان، فيقول تقرير "لبنان: انعدام الأمن الغذائي الحاد لفترة نوفمبر 2025 - مارس 2026 والتوقعات لفترة أبريل - يوليو 2026" إنه رغم التحسن الطفيف في 2025، فإن الحرب الحالية وتوقف حركة الطيران والملاحة في الموانئ الإقليمية يهددان بإعادة 18% من اللبنانيين إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول تموز/يوليو المقبل.

 

مزرعة قمح في صحراء الشارقة. (أ ف ب)
مزرعة قمح في صحراء الشارقة. (أ ف ب)

 

صدمة الأسمدة

ثمة وجه مستتر للأزمة: الأسمدة الزراعية. يذكّر الزعبي بأن منطقة الخليج العربي تنتج نصف اليوريا في العالم تقريباً (26 مليون طن من أصل 48)، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة مؤثراً على الإنتاج الزراعي العالمي، "وارتفاع سعر الطن 100 دولار يرفع تكلفة الهكتار المزروع بالقمح أو الذرة بنحو 20 إلى 30 دولاراً. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، تتضاعف الضغوط على ميزانيات الدول المستوردة".

 

إلى ذلك، يتم تداول نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز (35% من صادرات اليوريا و45% من صادرات الكبريت العالمية)، وتوقف إمداداتها يتزامن مع موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي، وهذا ينذر بكارثة زراعية عالمية. ومع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 70% في الأيام الأولى للنزاع، أصبح إنتاج الأسمدة محلياً غير مجدٍ اقتصادياً، حيث يمثل الغاز بين 70 و80% من التكلفة المتغيرة لإنتاج الأمونيا.

 

هذه الصدمة في المدخلات الزراعية تؤدي حتماً إلى انخفاض غلة المحاصيل في المواسم المقبلة، وإلى تفاقم المشكلات التي تواجهها مظلة الأمان الاجتماعي. ويختم الزعبي محذراً: "إن الدول العربية التي تعيش نزاعات وتعتمد على المعونات الإنسانية هي الأكثر عرضة للتأثر. وارتفاع الأسعار يهدد بضعف قدرة الهيئات الدولية على توفير التمويل، خصوصاً أن الدول المانحة نفسها تمر بفترات انكماش اقتصادي". 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
الخليج العربي 3/7/2026 6:30:00 AM
"الغضب الملحميّ" يحطّم الرقم التاريخيّ المسجّل باسم "السرعوف المصلّي"