ناقلات النفط عالقة وأكلاف الشحن تقفز أضعافاً
مهى كنج
وسط تصاعد النزاع العسكري في مضيق هرمز، شهدت المنطقة شلّاً شبه كامل لحركة السفن، مع تكدس آلاف الناقلات وتعطيل تدفق النفط والسلع، ما زاد الضغط على التجارة العالمية. وأظهرت بيانات MarineTraffic انخفاض حركة ناقلات النفط بنسبة 90% مقارنة بالمستويات المسجلة قبل الهجمات، فيما ارتفعت تكاليف الشحن بشكل قياسي، بحسب الغرفة الدولية للشحن وشركات التأمين البحري.
إيمانويل غريمالدي، رئيس مجلس إدارة الغرفة الدولية للشحن، أكد في رسالة بتاريخ 5 آذار/مارس 2026، على ضرورة حماية البحارة، مشيراً إلى أن "حرية الملاحة أمر بالغ الأهمية للتجارة العالمية، ويجب أن تكون سلامة الطواقم على رأس الأولويات".
آلاف السفن عالقة وتأثير مباشر على الأسواق
تشير تقديرات Clarksons Research إلى أن نحو 3200 سفينة تأثرت بالأزمة، بما يعادل نحو 4% من الحمولة البحرية العالمية. كما أظهرت بيانات تتبع السفن أن نحو 200 ناقلة نفط وسفن تجارية علقت أو أبطأت حركتها في الخليج، ما تسبب في اختناقات لوجستية وارتفاع كبير في تكاليف النقل.
في حديثه مع النهار، قال الدكتور باتريك مارديني، الرئيس التنفيذي للمعهد اللبناني لدراسات السوق، إن تكدس السفن يؤثر مباشرة على النفط المتجه للأسواق الآسيوية، خاصة الهند والصين واليابان، كما أن أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية سترتفع بفعل زيادة كلفة الشحن والتأمين والرسوم، بما في ذلك رسوم الطوارئ، حيث وصل أجار ناقلات النفط إلى 400 ألف دولار يومياً.
وأشار مارديني إلى أن شركات الشحن العالمية فرضت رسوماً إضافية مرتبطة بالمخاطر على الشحنات المتجهة إلى الخليج، ما انعكس لاحقاً على أسعار المعادن والسلع الاستهلاكية والمواد التصنيعية كالبتروكيميات.
حوادث أمنية وتحركات كبرى لشركات الشحن
شهدت المنطقة حوادث خطيرة، أبرزها استهداف ناقلة الوقود "آثي نوفا" بطائرتين مسيرتين، بالإضافة إلى حادثين قبالة سواحل عمان أسفرا عن مقتل أحد أفراد الطاقم.
في مواجهة المخاطر، أعلنت شركات كبرى مثل "ميرسك الدانماركية، وهايج لويد الألمانية" إعادة توجيه سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، مسار أطول يكلف المزيد من الوقت والمال.
تداعيات اقتصادية عالمية
إغلاق المضيق يهدد بإحداث صدمة اقتصادية واسعة، إذ أغلقت قطر مواقع الغاز الطبيعي المسال، التي تمثل نحو 20% من صادرات الغاز العالمية، فيما توقفت أكبر مصفاة نفطية في السعودية عن العمل، مع تسجيل تعطيلات في إنتاج النفط والغاز في إسرائيل وكردستان العراق.
رأي مارديني: الاحتياطات الاستراتيجية قد تكون الحل على المدى القصير
يرى مارديني، أن الاحتياطات الاستراتيجية لدى الدول الكبرى المستهلكة للنفط قد تكفي من 3 إلى 5 أشهر إذا أفرجت عنها، بينما تبقى الحلول العسكرية مثل مرافقة السفن الأميركية صعبة التطبيق عملياً.
وأشار إلى البدائل لتجاوز المضيق، مثل خط أنابيب السعودية إلى البحر الأحمر وخط الإمارات إلى الفجيرة، رغم تعرض الأخير للقصف، بينما يصعب على قطر والكويت إيجاد مسارات بديلة فعالة.
على المدى الطويل، قد تسهم استثمارات الغاز الصخري الأميركي وتحسين البنية التحتية لفنزويلا في زيادة الإمدادات وتقليل الضغط على الأسواق.
وأكد مارديني، أن توقف إنتاج أو تصدير النفط والغاز في دول تعتمد على المضيق، مثل الكويت وقطر والعراق، سيؤدي إلى خسائر كبيرة في ميزانياتها، فيما تعوض السعودية جزءاً من خسائرها عبر التصدير من البحر الأحمر، وتستطيع الإمارات التعويض جزئياً عبر استمرار تصدير النفط من الفجيرة.
وأشار إلى أن تعطل النقل البحري ينعكس سريعاً على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بين 40 و60%، وفي بريطانيا بين 90 و96%.
تحذير الباحثة فيديا ماني
حذّرت فيديا ماني، الباحثة في سلاسل التوريد في كلية "إس سي جونسون" للأعمال في جامعة كورنيل، من أن استعادة إنتاج النفط بعد أي توقف لن تكون سريعة. فالأمر يتطلب استئناف عمليات الحفر وإعادة العمال، الذين قد يغادرون مواقعهم خلال النزاعات. ورأت أن استمرار التوتر قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولاراً للبرميل، مع تداعيات اقتصادية كبيرة على الاقتصاد العالمي.
قفزة قياسية في تكلفة الشحن والتأمين
ارتفعت أجور استئجار ناقلات النفط بشكل غير مسبوق، إذ بلغت تكلفة استئجار ناقلة عملاقة من الشرق الأوسط إلى الصين نحو 424 ألف دولار يومياً، أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل أسابيع، مع توقع ارتفاع أكبر إذا استمر النزاع. كما ألغت شركات التأمين البحري تغطية مخاطر الحرب، وارتفعت أقساط التأمين إلى نحو 3% من قيمة السفينة، مقارنة بـ0.25% قبل الحرب.
ضغط دولي وممرات بحرية بديلة
دعت الصين جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية فوراً لحماية الملاحة، بينما خففت الولايات المتحدة مؤقتاً العقوبات على النفط الروسي للسماح ببيعه إلى الهند، في محاولة للحفاظ على تدفق الإمدادات.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداد البحرية لمرافقة ناقلات النفط، رغم صعوبة توفير حماية شاملة لجميع السفن، فيما شدّد قائد كبير في الحرس الثوري الإيراني على أن أي سفينة حربية لا تقترب لمسافة 800 ميل من إيران.
امتد تأثير الأزمة إلى ممرات بحرية أخرى حيوية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق ملقا والبوسفور، حيث ارتفع الضغط على حركة الملاحة نتيجة إعادة توجيه السفن وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
أمام هذا المشهد، يراقب العالم ما إذا كان إغلاق المضيق سيستمر، وما إذا كانت أسواق الطاقة العالمية قادرة على تحمل تبعات ارتفاع الأسعار وتكدس السفن في أهم ممرٍ نفطيٍ في العالم. فالأزمة لا تطاول النفط والغاز فحسب، بل تمتد إلى سفن الحاويات التي تنقل السلع الأساسية من الأثاث والملابس إلى المواد الغذائية ومواد البناء، ما يجعل مضيق هرمز مرةً أخرى في قلب معادلة الاقتصاد العالمي.
نبض