اقتصاد إيران في زمن الحرب: الطاقة والعملة وغيرهما في قلب العاصفة

اقتصاد وأعمال 06-03-2026 | 15:51

اقتصاد إيران في زمن الحرب: الطاقة والعملة وغيرهما في قلب العاصفة

لم يعد الاقتصاد الإيراني يواجه ضغطاً واحداً، بل مجموعة ضغوط متزامنة: صعوبات في تصدير النفط، ونقص متفاقم في الطاقة والكهرباء داخل البلاد، وتراجع مستمر في قيمة العملة، وتباطؤ في النشاط الصناعي والتجاري.
اقتصاد إيران في زمن الحرب: الطاقة والعملة وغيرهما في قلب العاصفة
الريال الإيراني في أدنى مستوياته. (رويترز)
Smaller Bigger

دخلت إيران الحرب الحالية واقتصادها مثقل أصلاً بسنوات طويلة من العقوبات والاختلالات البنيوية. قبل اندلاع المواجهات، كان اقتصاد البلاد يعمل تحت ضغوط متعددة: قيود مالية خارجية، وضعف مزمن في الاستثمار، وأزمات متكررة في قطاع الطاقة. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدل النمو تباطأ إلى 3.7 في المئة في السنة المالية 2024-2025، مع مؤشرات ضعف في النشاط غير النفطي نتيجة القيود التمويلية ونقص الكهرباء المولّدة وعدم اليقين السياسي. كذلك بقي الاستثمار الأجنبي المباشر محدوداً للغاية، إذ يدور منذ سنوات حول واحد في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس عمق العزلة الاقتصادية التي فرضتها العقوبات.

ومع اتساع النزاع، لم يعد الاقتصاد الإيراني يواجه ضغطاً واحداً، بل مجموعة ضغوط متزامنة: صعوبات في تصدير النفط، ونقص متفاقم في الطاقة والكهرباء داخل البلاد، وتراجع مستمر في قيمة العملة، وتباطؤ في النشاط الصناعي والتجاري.

في قلب هذه الصورة يبقى النفط.

قطاع النفط والغاز هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الإيراني. تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي وثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، وهي أيضاً ثالث أكبر منتج للنفط داخل منظمة "أوبك". وتعتمد المالية العامة بدرجة كبيرة على عوائد الطاقة.

تلفت بيانات قطاع الطاقة التي تنقلها وكالة "رويترز" إلى أن إنتاج إيران من النفط الخام يبلغ نحو 3.3 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى ما يقارب 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات وسوائل الغاز. أما القدرة التكريرية فتقارب 2.6 مليون برميل يومياً، في حين بلغت صادرات المنتجات النفطية نحو 820 ألف برميل يومياً في عام 2025.

لكن هذا القطاع، الذي يمثّل مصدر القوة الاقتصادية لإيران، يكشف أيضاً عن نقطة ضعف واضحة. تمر أغلبية صادرات النفط الإيرانية عبر الخليج العربي، ولاسيما انطلاقاً من جزيرة خرج التي تُعَد المنفذ الرئيسي لشحن النفط الإيراني وذلك بنسبة 90 في المئة من صادراته.

وتكمن حساسية هذا الأمر في أن الشحنات تعبر عملياً عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. يمرّ عبر هذا المضيق نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط وأكثر من أربعة ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية من بلدان المنطقة، ما يجعل أي توتر فيه مسألة تمس سوق الطاقة العالمية.

هذه الحساسية ظهرت بوضوح مع اندلاع الحرب، إذ تفيد تقديرات قطاع الطاقة بأن التصعيد العسكري الدائر أدى في مراحله الأولى إلى اضطراب شديد في حركة الشحن في الخليج وارتفاع حاد في تكاليف النقل والتأمين على ناقلات النفط، مع تراجع عدد الناقلات العابرة للمضيق.

 

رزح قطاع النفط الإيراني طويلاً تحت عبء العقوبات الغربية. (رويترز)
رزح قطاع النفط الإيراني طويلاً تحت عبء العقوبات الغربية. (رويترز)

 

يُذكَر أن إيران، على الرغم من العقوبات الغربية، تمكنت في السنوات الأخيرة من الحفاظ على جزء مهم من صادراتها النفطية عبر قنوات تجارية غير مباشرة. تشير التقديرات إلى أن الصين أصبحت المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، إذ استحوذت على أكثر من 80 في المئة من صادراته في عام 2025 بمتوسط يقارب 1.38 مليون برميل يومياً. وتمثل هذه الكمية نحو 13 في المئة من واردات الصين البحرية من النفط الخام.

وفي الأسابيع التي سبقت تصاعد التوترات العسكرية، رفعت إيران أيضاً وتيرة تحميل النفط. تلفت تقديرات لشركات متخصصة في متابعة الشحن البحري – وفق "رويترز" – إلى أن تحميلات النفط الإيراني بلغت نحو 2.15 مليون برميل يومياً في شباط (فبراير) 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2018.

لكن العقوبات والمخاطر الجيوسياسية لا تعقّد البيع فقط، بل تعقّد النقل أيضاً. ولهذا تلجأ إيران في بعض الأحيان إلى التخزين العائم. تشير تقديرات الشركات نفسها إلى أن كميات النفط الإيراني المخزنة على متن ناقلات في البحر بلغت نحو 166 إلى 170 مليون برميل في بداية عام 2026.

أما الغاز، فعلى الرغم من ضخامة احتياطياته، فلا يؤدي الدور نفسه في الإيرادات الخارجية.

بحسب تقديرات قطاع الطاقة، بلغ إنتاج الغاز الإيراني نحو 276 مليار متر مكعب في عام 2024. لكن نحو 94 في المئة من هذا الإنتاج يُستهلَك داخل البلاد، ويذهب القسم الأكبر منه إلى توليد الكهرباء وإلى الاستخدامات الصناعية والمنزلية.

وتتركز أهمية قطاع الغاز في إيران في حقل "بارس الجنوبي"، وهو أكبر حقل غاز في العالم وتتقاسمه إيران مع قطر. وقد كشفت الحرب أيضاً مدى حساسية هذه البنية التحتية، إذ تتفق التقديرات على أن ضربات إسرائيلية في عام 2025 استهدفت وحدات في هذا الحقل، ما أبرز المخاطر التي يمكن أن تواجه منشآت الطاقة الاستراتيجية في أوقات التصعيد العسكري.

هذه المفارقة تفسر لماذا تعاني إيران نقصاً متكرراً في الطاقة على الرغم من وفرة الموارد. معظم الغاز المنتج يُستهلَك محلياً، ما يترك هامشاً محدوداً للتصدير ويجعل منظومة الطاقة الداخلية حساسة لأي خلل في الإنتاج أو الإمدادات.

وفي الوقت نفسه، لا تعتمد إيران على إنتاجها الداخلي فقط. مع امتلاكها احتياطيات ضخمة، اضطرت طهران في بعض الفترات إلى الاستعانة بترتيبات استيراد أو مقايضة للغاز مع بلدان مجاورة مثل تركمانستان لتغطية النقص الموسمي في الإمدادات، ما يعكس التحديات الهيكلية في إدارة قطاع الطاقة.

كذلك تؤدي إيران دوراً مهماً في شبكة الطاقة الإقليمية، إذ تصدّر الغاز والكهرباء إلى بعض البلدان المجاورة، ولاسيما العراق الذي يعتمد جزئياً على الإمدادات الإيرانية لتغذية قطاع الكهرباء.

ولهذا تتكشف أزمة الكهرباء في صورة متكررة داخل إيران نفسها.

تعاني البلاد منذ سنوات نقصاً في الكهرباء خلال فترات الذروة، وهو عامل أصبح يقيد النشاط الاقتصادي في أكثر من قطاع. يشير البنك الدولي إلى أن نقص الطاقة والمياه بات من أبرز القيود التي تواجه الاقتصاد الإيراني.

وتعتمد منظومة الكهرباء بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي. وتلفت بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الغاز كان مسؤولاً عن نحو 79 في المئة من توليد الكهرباء في البلاد في عام 2023. أما مصادر الطاقة غير المتجددة مجتمعة فتمثل نحو 96 في المئة من إنتاج الكهرباء، ما يعكس محدودية مساهمة مصادر الطاقة البديلة.

هذا الاعتماد الكبير يجعل منظومة الطاقة حساسة لأي اضطراب في الإمدادات. وقد اضطرت السلطات في السنوات الأخيرة إلى تقنين الكهرباء وخفض استهلاك الطاقة في بعض الصناعات الثقيلة مثل صناعة الصلب والأسمنت.

 

قطاع الكهرباء يعاني مشكلات بنيوية. (أ ف ب)
قطاع الكهرباء يعاني مشكلات بنيوية. (أ ف ب)

 

ومع تصاعد التوترات العسكرية، يصبح الحفاظ على استقرار منظومة الطاقة أكثر صعوبة، ما يضيف ضغطاً جديداً على الاقتصاد المحلي.

الضغط الاقتصادي ينعكس بوضوح أيضاً على سعر العملة.

فقد الريال الإيراني جزءاً كبيراً من قيمته خلال العقد الماضي من الزمن نتيجة العقوبات والتضخم وضعف الثقة في الاقتصاد. وفق وكالة "رويترز"، سجل الريال في كانون الثاني (يناير) 2026 مستوى قياسياً متدنياً بلغ 1.5 مليون ريال في مقابل الدولار في السوق الموازية.

ويشير البنك الدولي إلى أن معدل التضخم بقي مرتفعاً، إذ بلغ نحو 40 في المئة على أساس سنوي خلال الأشهر الأولى من السنة المالية 2025-2026، بينما تجاوز معدل تضخم أسعار الغذاء 44 في المئة.

ويعني ذلك أن تراجع العملة لا يظل مجرد مؤشر مالي، بل يتحول مباشرة إلى ضغط على القدرة الشرائية للأسر وعلى تكلفة الواردات.

ولا يقتصر أثر هذه الضغوط على قطاع الطاقة.

يعتمد الاقتصاد الإيراني أيضاً على الصناعة والزراعة والخدمات. يلفت البنك الدولي إلى أن قطاع الخدمات يشغل أكثر من نصف القوة العاملة في إيران، ما يجعل أي تباطؤ اقتصادي سريع الانعكاس على سوق العمل.

أما الصناعة فتواجه صعوبات متعددة، من بينها نقص الكهرباء وصعوبة الحصول على المواد الأولية والمعدات بسبب العقوبات. وقد أدى تقنين الطاقة في السنوات الأخيرة إلى تعطيل الإنتاج في بعض المصانع أو خفض طاقتها التشغيلية.

وفي الزراعة، يشكل نقص المياه تحدياً متزايداً. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الجفاف ونقص الموارد المائية أديا إلى تراجع العمالة الزراعية بنحو 18 في المئة، أي ما يقارب 800 ألف وظيفة.

وتظهر الضغوط أيضاً في التجارة الخارجية. فالعقوبات المفروضة على النظام المالي الإيراني تحد من عدد الشركاء التجاريين ومن قنوات الدفع الدولية. وفق بيانات البنك الدولي، تراجعت الصادرات غير النفطية بنسبة بلغت نحو ستة في المئة في الأشهر الأولى من السنة المالية 2025-2026، بينما انخفضت الواردات بأكثر من 16 في المئة.

وفي الوقت نفسه تواجه المالية العامة ضغوطاً متزايدة. تبقى إيرادات النفط عرضة إلى التقلبات بسبب العقوبات والتوترات الجيوسياسية، بينما ترتفع النفقات العسكرية والاجتماعية.

في ظروف كهذه، تلجأ الحكومات في الأغلب إلى زيادة الاقتراض الداخلي أو إصدار النقد، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التضخم.

في المحصلة، تكشف الحرب الحالية هشاشة الاقتصاد الإيراني على الرغم من ثرواته الطبيعية الكبيرة. فالاعتماد الكبير على النفط يجعل الاقتصاد شديد الحساسية للتقلبات الجيوسياسية، بينما تعاني القطاعات الأخرى من ضعف الاستثمار والبنية التحتية.

ومع استمرار المواجهات العسكرية، تتعرض ركائز الاقتصاد الإيراني إلى ضغوط متزامنة: صعوبات في تصدير النفط، ونقص في الطاقة والكهرباء داخل البلاد، وتراجع في قيمة العملة، وتباطؤ في النشاط الصناعي والتجاري.

معروف أن الاقتصاد الإيراني أثبت في العقود الماضية قدرة على التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية عبر شبكات تجارية بديلة وسياسات اقتصادية استثنائية. لكن قدرة هذا الاقتصاد على تحمل تكلفة الحرب ستعتمد في النهاية على عاملين أساسيين: مدة النزاع، وقدرة إيران على الحفاظ على تدفق عوائد الطاقة التي تبقى المصدر الرئيسي لتمويل اقتصادها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط