خبيرة نفط لـ"النهار": صدمة طاقة عالمية تلوح في الأفق... ولبنان بين الأكثر هشاشة
مع تصاعد التوترات جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المخاوف العالمية بوصفه الشريان الأهم لإمدادات الطاقة. وفي مقابلة خاصة مع "النهار"، حذرت الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا القيسي من أن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق قد يطلق سلسلة ارتدادات اقتصادية تمتد من أسواق النفط والغاز إلى الاقتصاد العالمي، وصولاً إلى لبنان الذي يفتقر إلى منظومة أمن طاقة قادرة على امتصاص الصدمات.
وأوضحت القيسي أن مضيق هرمز يشكل أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية ونحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتذهب الحصة الأكبر من هذه الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج.
وأشارت إلى أن أي تعطيل للملاحة في المضيق، حتى لو كان مؤقتاً، ينعكس مباشرة على حركة الناقلات والأسواق، إذ ترتفع المخاطر والتكاليف وتتردد بعض السفن في العبور. ورغم وجود بدائل محدودة مثل خط الأنابيب شرق–غرب في السعودية وخط الفجيرة في الإمارات، فإن طاقتها لا تتجاوز مجتمعة 5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً، في حين يعبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يترك فجوة كبيرة في الإمدادات العالمية.

صدمة في الأسواق
ولفتت القيسي إلى أن حجم الصدمة في أسواق الطاقة يتوقف على مقدار النقص ومدته. فإذا كان الانخفاض محدوداً بحدود مليون إلى مليوني برميل يومياً، يمكن للأسواق امتصاصه نسبياً بفضل الفائض الإنتاجي العالمي الذي يقدّر بين 3 و3.5 ملايين برميل يومياً.
لكن السيناريو الأكثر خطورة يظهر في حال ارتفع النقص إلى ما بين 3.5 و5 ملايين برميل يومياً لفترة أطول، ما قد يدفع الدول إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية، بحسب القيسي، التي أضافت: "غير أن اللجوء إلى هذه المخزونات غالباً ما يثير قلق الأسواق ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وفي حال استمرت الأزمة، قد يظهر نقص في منتجات أساسية مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات، الأمر الذي يربك حركة الاقتصاد العالمي".
لبنان في مرمى الأزمة
ورأت القيسي أن لبنان سيكون من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب في سوق الطاقة، نظراً إلى افتقاره لما يسمى أمن الطاقة. فإمدادات الفيول اللازمة لإنتاج الكهرباء تعتمد أساساً على العراق، ما يضع البلاد أمام مخاطر إضافية في حال تعطل هذا المصدر.
و"في حال توقف الإمدادات العراقية، لن يكون أمام لبنان سوى اللجوء إلى الشراء الفوري من الأسواق، وهو خيار مكلف وغير مضمون من حيث الأسعار والنوعية"، وأوضحت أن المشكلة لا تتوقف عند الإمدادات، إذ يعاني لبنان أيضاً غياب القدرة على التخزين وضعف القدرة الشرائية، ما يجعل أي اضطراب في السوق العالمية ينعكس سريعاً على الكهرباء والاقتصاد.
مؤشرات إلى أزمة أطول
ولفتت القيسي إلى أن توقف صادرات الغاز المسال، خصوصاً من قطر، قد يفاقم الأزمة، إذ يمر عبر رأس لفان جزء أساسي من تجارة الغاز المسال في العالم، وأكدت أن التأثير الفوري يظهر في ارتفاع الأسعار وتكاليف التأمين والنقل، بينما يتجلى التأثير المتوسط في تنافس حاد بين أوروبا وآسيا على شراء الغاز والنفط.
وأشارت أيضاً إلى خطوة استراتيجية اتخذتها الصين بوقف بعض صادرات المكررات النفطية والتركيز على الاستهلاك الداخلي، ما يعكس تقديراً بأن الأزمة قد تكون طويلة الأمد.
وختمت القيسي: "أما دول الخليج، فتملك هامش صمود على المدى القصير بفضل احتياطاتها المالية وصناديقها السيادية التي بلغت نحو 804 مليارات دولار في عام 2024، إلا أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يفرض تحديات اقتصادية أكبر، ليس على المنطقة فحسب، بل على الاقتصاد العالمي بأسره".
نبض