نفط إيران: أزمة حركية أوقفتها الحرب

اقتصاد وأعمال 06-03-2026 | 12:35

نفط إيران: أزمة حركية أوقفتها الحرب

الاعتماد الإيراني المفرط على الصين بصفتها مشترياً واحداً حوّلها إلى شريك لا غنى عنه، ورهن الاقتصاد الإيراني لشهية بكين الاقتصادية، والسياسية أيضاً.
نفط إيران: أزمة حركية أوقفتها الحرب
منصة نفطية إيرانية في مياه الخليج. (أ ف ب)
Smaller Bigger

شهد قطاع النفط الإيراني تحولات عميقة بين 2024 وبدايات 2026. فبينما كان عام 2024 مخصصاً لترسيخ الاعتماد الكامل على السوق الصينية ومأسسة تقنيات التهرب من العقوبات، جاء عام 2025 ليشهد محاولات طهران للاندماج في أنظمة مالية بديلة خارج هيمنة الدولار. لكن اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026 وضع القطاع أمام اختبار الوجود المادي، حيث تحول التركيز من تحسين الإيرادات إلى حماية البنية التحتية من التدمير الشامل.

 

صادرات إيران  (2025-2024)

في 2024، حققت إيران إيرادات اسمية من صادرات النفط، قيمتها 35,76 مليار دولار. هذا الرقم عكس قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام "حملة الضغط الأقصى" الغربي، وأخفى واقعاً معقداً من الخصومات الكبيرة وتكاليف الخدمات اللوجستية السرية.

 

استحوذت الصين على نصيب الأسد من نفط إيران، إذ بلغت قيمة مشترياتها 32,5 مليار دولار (أكثر من 90% من إجمالي الصادرات الإيرانية). إن الاعتماد الإيراني المفرط على الصين بصفتها مشترياً واحداً حوّلها إلى شريك لا غنى عنه، ورهن الاقتصاد الإيراني لشهية بكين الاقتصادية، والسياسية أيضاً.

 

وفي 2024 أيضاً، برزت سوريا  تحت حكم المخلوع بشار الأسد وجهة رئيسية للنفط الإيراني، إذ استوردت دمشق نفطاً بنحو  1,2 مليار دولار (أي نحو 3.3% من إجمالي الصادرات الإيرانية)، وتوزعت النسب الباقية بين دولة الإمارات العربية المتحدة (2%) وفنزويلا (1.2%).

 

الوجهة
المستوردة
قيمة الصادرات
(مليار دولار)
الحصة من إجمالي
الصادرات  (%)
الحجم التقديري
(ألف برميل يومياً)
الصين32,590.81460
سوريا1,183.353
الإمارات0,722.032
فنزويلا0,431.219
العراق0,320.914

 

في 2025، واجه قطاع النفط الإيراني ضغوطاً مالية متزايدة، رغم ثبات حجم الإنتاج عند مستويات تقارب 3,1 مليون برميل يومياً. وتظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أن القيمة الاسمية للصادرات تراجعت 10% إلى 30,7 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية الإيرانية. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في القدرة على الوصول إلى هذه الأموال؛ إذ تشير تقارير لجنة الميزانية في البرلمان الإيراني إلى أن الحكومة لم تتسلم فعلياً سوى 13 من 20 مليار دولار تم جنيها في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية.  

 

هذه الفجوة المالية مردودة بشكل أساسي إلى "تكاليف التهرب من العقوبات" التي تلتهم نحو 20% من إجمالي إيرادات النفط، وتشمل الخصومات الكبيرة المقدمة للمصافي الصينية المستقلة (8 إلى 11 دولاراً للبرميل الواحد) وتكاليف الشحن والتأمين المرتفعة المرتبطة بالأسطول الشبح.

 

فاقمت الضغوط المالية الأزمات الهيكلية في الداخل الإيراني، وسجل هروب رؤوس الأموال رقماً قياسياً بلغ 15 مليار دولار في النصف الأول من عام  2025.

 

mBridge البديلة

أدركت طهران وبكين أن السيطرة على مسارات الشحن لا تكفي ما لم يتم تأمين مسارات مالية موازية بعيدة عن متناول نظام "سويفت (SWIFT) "الذي يهيمن عليه الدولار. في أواخر 2025، بدأت إيران والعديد من شركائها في مجموعة "بريكس "بتسريع وتيرة استخدام منصة  mBridge، وهي نظام لتسوية العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) يضم الصين والإمارات والسعودية وتايلاند. وعبر هذه المنصة، تجاوز حجم المعاملات 55 مليار دولار بحلول شباط/فبراير 2026، حيث سيطر اليوان الرقمي الصيني (e-CNY) على 95% من هذه العمليات. توفر المنصة لإيران وسيلة لتسوية تجارة الطاقة بشكل فوري من دون الحاجة إلى بنوك مراسلة في الولايات المتحدة، ما يجعل المعاملات غير مرئية تقريباً لآليات المراقبة المالية الغربية.

 

إلى جانب الحلول الرقمية، توسعت إيران في استخدام أنظمة المقايضة  (Barter)، وتم الكشف في عام 2025 عن شبكة متطورة لمبادلة "السيارات بالمعادن" مع شركات صينية مثل "شيري" ومجموعة "تونغلينغ" للمعادن. في هذا النموذج، تقوم الشركات الصينية بتصدير أجزاء السيارات إلى إيران لتجميعها محلياً، مقابل الحصول على شحنات من النحاس والزنك الإيراني التي تُباع لاحقاً في الأسواق العالمية، ما يلغي الحاجة تماماً للوساطة المصرفية التقليدية.

 

سفن شحن وناقلات نفط في مضيق هرمز. (أ ف ب)
سفن شحن وناقلات نفط في مضيق هرمز. (أ ف ب)

 

خارق وهرمز وجاسك

تعد جزيرة خارق وريد الاقتصاد الإيراني. فبسبب طبيعة الساحل الإيراني الضحل، تتدفق معظم الصادرات عبر هذا الميناء الواقع في المياه العميقة. في الساعات 80 الأولى من الحرب، تم الإبلاغ عن انفجارات ضخمة في المنشآت النفطية بالجزيرة. ورغم صعوبة التحقق من الأضرار الكاملة في ظل الحرب، إلا أن استهداف هذا الموقع يعني عملياً توقف القدرة الإيرانية على تصدير الخام فترة طويلة. ومع تفاقم الهجوم، أغلقت إيران مضيق هرمز الذي يعبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط (20% من الاستهلاك العالمي).

 

راهنت إيران تاريخياً على خط أنابيب "كورة – جاسك" وميناء جاسك الواقع خارج المضيق كمخرج طوارئ لتصدير مليون برميل يومياً. مع ذلك، تفيد تقارير وكالة الطاقة الدولية في أوائل 2026 بأن هذا المشروع بقي "غير فعال من الناحية التشغيلية". فبعد شحنة تجريبية وحيدة في أواخر 2024، لم يُصدّر أي نفط إضافي من جاسك، ما ترك إيران في لحظة الحرب بلا بديل بري أو بحري حقيقي للالتفاف على إغلاق المضيق.

 

اليوم، أوقفت الحرب كل النشاط النفطي الإيراني، والصين هي المتضرر الأكبر من هذا التوقف ومن إغلاق مضيق هرمز، لكنها استعدت لهذا السيناريو ببناء مخزون استراتيجي ضخم (1,39 مليار برميل) يكفيها لتغطية احتياجاتها 120 يوماً. أما روسيا، فترى في إيران جسراً حيوياً للالتفاف على العقوبات الغربية عبر ممر النقل الدولي شمال-جنوب.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط