حرب إيران والنفط: لماذا لم نرَ 100 دولار… وما الذي ينتظر الاقتصاد العالمي؟
بينما تستمر الضربات الأميركية الإسرائيلية داخل إيران وتتسع دائرة الاستهداف في الخليج، تتحرك أسواق الطاقة على إيقاع مختلف: الأسعار ارتفعت بقوة، لكن النفط ما زال بعيداً عن 100 دولار كما حدث في ذروة الحرب الأوكرانية أو «الربيع العربي». هذا الفارق لا يعبّر فقط عن حجم الصدمة الحالية، بل عن تغيّر بنية سوق الطاقة نفسه وكيف يقرأ المتعاملون طول الأزمة وحدّتها.
ما الذي يسعّره السوق الآن؟
تقديرات بنوك الاستثمار الكبرى، ومنها غولدمان ساكس، تشير إلى أن "القيمة العادلة" لخام برنت من دون تعطل كبير في الإمدادات تقارب 65 دولاراً للبرميل، وأن الفارق فوق هذا المستوى يعكس أساساً «علاوة مخاطر إيران» التي تدور حالياً حول 13–14 دولاراً. هذا يعني أن السوق لا يسعّر حرباً طويلة أو تغييراً دائماً في خريطة الإمدادات، بل اضطراباً لبضعة أسابيع يمكن امتصاصه عبر المخزونات والطاقة الفائضة.

ثلاثة سيناريوهات لسعر النفط
-السيناريو الأول: احتواء سريع (أيام إلى أسبوعين)
في السيناريو الأساسي، تبقى الضربات متقطعة ولا يتعرض مضيق هرمز لإغلاق كامل، وتنجح الضغوط الأميركية في إبقاء ممرات الشحن مفتوحة ولو تحت حماية عسكرية. في هذه الحالة، يرجّح أن يتراجع برنت تدريجياً من نطاق 80–85 دولاراً إلى ما بين 65 و75 دولاراً خلال أسابيع، مع تلاشي جزء كبير من علاوة المخاطر. وجود مخزونات مرتفعة نسبياً في الاقتصادات الكبرى، ومرونة نسبية في إنتاج الولايات المتحدة ودول أخرى من خارج أوبك+، يساعدان على امتصاص الصدمة من دون اندفاعة سعرية نحو 100 دولار.
-السيناريو الثاني: أزمة متوسطة (شهر إلى شهرين من التعطيل الجزئي)
السيناريو الثاني يفترض تعطلاً فعلياً لحركة هرمز لفترة تقارب شهراً أو أكثر، مع استمرار الهجمات على البنية التحتية واستحالة استخدام جميع البدائل في البحر الأحمر والمتوسط. هنا يمكن أن يرتفع متوسط برنت إلى نطاق 85–95 دولاراً، مع قمم عابرة تلامس 100 دولار كلما تصاعد التوتر أو استهدفت منشآت إضافية. امتلاء خزانات المنتجين في الخليج، كما يحدث في العراق، يجبرهم على خفض الإنتاج، بينما تضيف قفزة أقساط التأمين وكلفة الشحن «ضريبة خفية» على كل برميل.
في هذا السيناريو، يتعمق أثر الصدمة في الاقتصاد العالمي: تضخم أعلى، تشدد نقدي أطول، وضغوط على نمو الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة، حيث تشير تحليلات إلى أن صعود النفط من 70 إلى 85 دولاراً يمكن أن يضيف ما يصل إلى 0.7 نقطة مئوية للتضخم في بعض الاقتصادات الآسيوية ويقتطع قرابة نصف نقطة من النمو.
-السيناريو الثالث: صدمة كبرى (إغلاق هرمز لفترة طويلة)
السيناريو الثالث، الذي لا يبدو مسعّراً بالكامل حتى الآن، يقوم على إغلاق شبه تام لهرمز لأسابيع تتجاوز ما تتوقعه الأسواق، وفشل البدائل في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط في تعويض الجزء الأكبر من الإمدادات.
في هذه الحالة، يحذر محللو غولدمان ساكس وغيرهم من دخول «نطاق الثلاثة أرقام» لفترة معتبرة، مع تحوّل تدمير الطلب إلى أداة ضبط رئيسية للسوق، أي دفع الأسعار إلى مستويات تجبر المستهلكين على خفض الاستهلاك قسراً. هنا يتكرر مشهد الأزمات التاريخية: ركود عالمي محتمل، ضغوط مالية شديدة على الدول المستوردة، وتوسّع الفوارق بين المنتجين والمستهلكين.
لماذا لم نصل إلى 100 دولار حتى الآن؟
رغم قسوة التطورات – من مقتل المرشد الإيراني إلى تعطل جزء من صادرات العراق وتوقف الغاز القطري – بقي النفط دون عتبة 100 دولار. وراء ذلك ثلاثة تغيّرات أساسية:
1. وفرة أعلى وتنويع أوسع
السوق دخل الأزمة وهو في حالة فائض طفيف نسبياً، مع مخزونات تجارية واستراتيجية أعلى في الصين وغيرها مقارنة بفترات 2011 و2022. في الوقت نفسه، الإنتاج من خارج أوبك+ (خصوصاً في الولايات المتحدة والبرازيل) عند أو قرب مستويات قياسية، ما يعطي المستهلكين «شبكة أمان» إضافية.
2. تحالف أوبك+ أكثر انضباطاً
تحالف أوبك+ يمتلك ملايين البراميل من الطاقة الفائضة، خصوصاً في السعودية والإمارات، ويبعث إشارات مستمرة بأنه مستعد لزيادة الإمدادات إذا اقتربت الأسعار من مستويات مدمّرة للطلب. هذا الانضباط والمرونة يشكلان «صمام أمان» لم يكن موجوداً بالقدر نفسه في أزمات سابقة.
3. مضاربون أكثر حذراً
تجربة الحرب الأوكرانية، حيث قفزت الأسعار إلى 120 دولاراً قبل أن تتراجع سريعاً، جعلت الصناديق الاستثمارية أقل ميلاً لدفع الأسعار إلى 100 دولار اعتماداً على التهديدات فقط. علاوة المخاطر الحالية (نحو 14–18 دولاراً) أقل بكثير من القفزات التي رأيناها عندما كانت السوق مشدودة وفائض الطاقة ضئيلاً.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
المحصلة أن العالم يواجه اليوم صدمة طاقة مزعجة لكنها ليست كارثية بعد.
في السيناريو الأساسي الذي يسعّره المستثمرون – أزمة تُحتوى خلال أسابيع ولا تتحول إلى إغلاق طويل لهرمز – يمكن للاقتصاد العالمي أن يحافظ على نمو متواضع يتراوح بين 2.5 وقرابة 3%، مع تضخم أعلى قليلاً من المستهدفات وبيئة نقدية متشددة لفترة أطول.
الخطر الأكبر يقع على الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة، حيث يفاقم ارتفاع الأسعار عجز الحساب الجاري ويضغط على العملات، في وقت تتراجع فيه هوامش الموازنة والقدرة على دعم الوقود. أما المنتجون في الخليج فيستفيدون مالياً من الأسعار الأعلى، لكنهم يواجهون في المقابل كلفة أمنية أعلى ومخاطر سمعة واستثمار، ما يفرض الإسراع في تحويل الريع الحالي إلى استثمارات تنويع قبل أن تهدأ الأسعار وتتبخّر علاوة المخاطر.
رسالة السوق حتى الآن واضحة: لا عودة مستدامة إلى سعر نفط بثلاثة أرقام من دون صدمة إمدادات حقيقية وطويلة الأمد. ما لم يتحول تهديد هرمز إلى إغلاق ممتد، ستبقى هذه الحرب، مهما كانت دامية، أقرب إلى صدمة قوية في مسار طويل من إعادة تشكيل جغرافيا الطاقة، لا إلى أزمة نفط عالمية على غرار سبعينات القرن الماضي.
نبض