اليابان تبحث عن بدائل للطاقة بعيداً عن الشرق الأوسط
مهى كنج
تعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين نحو 95% من وارداتها النفطية و11% من الغاز الطبيعي المسال، فيما يمرّ حوالي 70% من النفط و6% من الغاز عبر مضيق هرمز. في كانون الثاني/ يناير الماضي، استوردت طوكيو نحو 2.8 مليون برميل يومياً، بينها 1.6 مليون برميل من السعودية، إضافة إلى إمدادات من الإمارات والكويت وقطر.
غير أنّ التوترات الإقليمية المتصاعدة والتهديدات المتكررة بإغلاق الممرات البحرية الحيوية دفعت ثالث أكبر اقتصاد في العالم إلى إعادة تقييم معادلة أمنه الطاقي. فالاعتماد شبه الكلي على منطقة واحدة يضع البلاد أمام مخاطر جيوسياسية قد تنعكس سريعاً على الأسعار والنمو الاقتصادي، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة الوقود والكهرباء خلال الأشهر الماضية.
مظلة احتياطية واسعة
تمتلك اليابان احتياطيات نفطية تكفي الاستهلاك لمدة 254 يوماً، موزعة بين مخزونات حكومية واحتياطيات لدى القطاع الخاص واتفاقيات تخزين مشتركة مع دول منتجة. كما يجري تخزين نحو 8.2 ملايين برميل في أوكيناوا عبر "أرامكو السعودية"، تكفي لثلاثة أيام إضافية من الاستهلاك.
في قطاع الغاز الطبيعي المسال، تبدو الصورة أكثر توازناً، إذ لا تتجاوز حصة الشرق الأوسط 11% من الواردات، فيما تتصدر أستراليا قائمة الموردين بنسبة 40%. ورفعت شركات المرافق مخزوناتها في آذار/ مارس إلى 2.19 مليون طن متري، تكفي نحو 12 يوماً، مع مخزون إجمالي يفوق 4 ملايين طن. وتشير التقديرات إلى أن المخزونات الحالية يمكن أن تغطي الطلب لنحو 44 أسبوعاً في الظروف الطبيعية، لكنها لا تصمد أكثر من ثلاثة أسابيع إذا توقفت جميع الواردات فجأة.
النفط: بدائل بعيدة وجيوسياسية معقدة
في سعيها لتخفيف الاعتماد على الشرق الأوسط، تنظر اليابان إلى الولايات المتحدة كمصدر بديل للنفط الخام، لا سيما نفط غرب تكساس وخليج المكسيك. غير أن مدة الشحن التي تمتد بين 30 و40 يوماً، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل والتأمين، تجعل هذا الخيار أكثر تكلفة.
كما يشكّل خط "ESPO Pipeline" الروسي، الذي ينقل نفط سيبيريا الشرقية إلى موانئ المحيط الهادئ، خياراً مهماً للأسواق الآسيوية، بما فيها اليابان. إلا أن هذا المسار يبقى محاطاً بتعقيدات العقوبات الغربية والحسابات السياسية.
كذلك تبرز كندا، ولا سيما نفط ألبرتا الثقيل، إلى جانب نيجيريا وأنغولا في أفريقيا، كمصادر محتملة عند الحاجة، وإن كانت تتطلب رحلات بحرية طويلة تزيد الكلفة والمدة الزمنية.
الغاز المسال: شبكة أوسع من المرونة
في سوق الغاز الطبيعي المسال، تبدو خيارات اليابان أكثر تنوعاً. فإلى جانب أستراليا، يمكن زيادة الواردات من الولايات المتحدة عبر محطات التسييل على الساحلين الشرقي والغربي، رغم ارتفاع تكاليف النقل.
كما يشكّل مشروع مثل "يامال إل إن جي"، في القطب الشمالي أحد أبرز المشاريع الروسية القادرة على تزويد آسيا بشحنات إضافية. وفي جنوب شرق آسيا، توفر ماليزيا وإندونيسيا إمدادات أصغر حجماً، لكنها مفيدة لسد فجوات قصيرة الأمد.
وتدرس طوكيو إعادة توجيه نحو 40 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال عند الحاجة، مستفيدة من اتفاقية طارئة مع قطر وترتيبات محتملة مع دول أوروبية وآسيوية، إلى جانب ضمان شحنات شهرية عبر شركة “جيرا” لتقليص مخاطر الإمداد.
بالتوازي مع البحث عن موردين بعيدين، تعمل اليابان على إعادة موازنة مزيجها الطاقي داخلياً، عبر تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية بعد إعادة تشغيل عدد من المفاعلات، وزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، إضافة إلى استخدام الفحم كخيار مرحلي عند الضرورة.
أمن الطاقة بين الكلفة والوقت
في المحصلة، تمتلك اليابان شبكة واسعة من البدائل خارج الشرق الأوسط، لكنها جميعها أكثر كلفة وأطول زمناً للشحن مقارنة بالإمدادات التقليدية. لذلك لا تبحث طوكيو عن بديل كامل، بل عن توزيع للمخاطر يخفف الصدمة.
فالأمن الطاقي الياباني لم يعد مسألة جغرافيا فحسب، بل إدارة دقيقة لمعادلة معقدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والوقت، في عالم تزداد فيه الممرات الحيوية هشاشة، وتتصاعد فيه كلفة الاعتماد على مصدر واحد.
نبض