مضيق هرمز: بدائل محدودة وكلفة عالمية مفتوحة
مهى كنج
أعلن حرس الثورة في إيران السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإغلاقه بالكامل، فما هي البدائل التي تخفف من حدة المشهد؟ فالمضيق ليس مجرد ممر ضيق تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز، بل يُعدّ أحد أخطر "نقاط الاختناق" في العالم. أي تعطيل فيه ينعكس بسرعة على الأسواق والاقتصادات العالمية، ويحوّل الممر البحري من شريان للطاقة إلى سلاح حرب محتمل. يربط المضيق الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويشهد مرور 17 إلى 20 مليون برميل نفط يومياً، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي، بالإضافة إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. أي إغلاق يؤدي إلى توترات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية قد تمتد لتشمل صراعات إقليمية ودولية لحماية مصالح الدول.
يرى البروفيسيور جاسم عجاقة، أستاذ الاقتصاد الدولي في الجامعة اللبنانية، أن استهداف البنية التحتية للطاقة لم يعد حدثاً عابراً، بل تحوّل إلى عامل دائم في حسابات المستثمرين. الخطر الجيوسياسي بات ضريبة تُقتطع من العائد المتوقع، ما يدفع رؤوس الأموال إلى الهجرة نحو أسواق أكثر استقراراً، أو إلى الطاقة المتجددة هرباً من هشاشة الإمدادات لا بدافع بيئي بحت.
أنواع التجارة عبر المضيق
يشهد مضيق هرمز مرور النفط ومشتقاته، الغاز الطبيعي المسال، البتروكيماويات، شحنات الحاويات، والمعادن والسلع الاستهلاكية، ما يجعله محوراً أساسياً للتجارة العالمية. أي تعطيل فيه يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر مباشرة على أسعار السلع عالمياً.
وأكد الدكتور شربل سكاف، أستاذ العلاقات الدولية وخبير شؤون الطاقة، في حديثه مع "النهار" أن أي تهديد للمضيق ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي بسبب اعتماد الصناعات على النفط، إذ يؤدي اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وزيادة التضخم.
ما هي البدائل لمضيق هرمز؟
رغم الأهمية الاستراتيجية للمضيق، تمتلك بعض الدول الخليجية مسارات بديلة، لكنها لا تعوض حجم الطاقة التي يمر عبره:
السعودية: خط "الشرق–الغرب" المعروف بـ “بترولاين"، ينقل النفط من بقيق إلى ميناء ينبع، بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، مع إمكانية زيادة مؤقتة عبر خطوط الغاز.
مصر: خط "سوميد" يربط العين السخنة بسيدي كرير بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يومياً، مع هيكل ملكية تشاركي يعكس التعاون العربي.
العراق: خط "كركوك–جيهان"، ينقل نحو 10% من صادرات العراق، لكنه متوقف منذ توترات أمنية بعد اتفاق مؤقت في 2025.
الإمارات: خط "حبشان–الفجيرة" بطاقة 1.5–1.8 مليون برميل يومياً، يدعم الفجيرة كمركز عالمي لتخزين الوقود.
إيران: خط "غوره–جاسك" بطاقة تصميمية 300 ألف برميل يومياً، لتعزيز منافذ التصدير بعيداً عن المضيق.
باب المندب: يسمح بنقل 6–9 ملايين برميل يومياً عبر خطوط بديلة، مستفيداً منه اليمن وجيبوتي وإريتريا والسعودية والإمارات، إضافةً إلى قناة السويس المصرية.
رأس الرجاء الصالح: خيار بحري مكلف يطيل زمن الشحن، ولا يمثل حلاً عملياً لتعويض النقص.

ضريبة الشحن والتضخم الخفي
يرى عجاقة أن هناك ضريبة للشحن: حيث يبقى باب المندب وقناة السويس ممراً مهماً، فيما يشكل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح خياراً مكلفاً يطيل الرحلة بين 10 و14 يوماً. ويشير، إلى أن استهداف باب المندب سيدفع السفن حكماً إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني إضافة أسابيع إلى زمن العبور وخلق عجز لوجستي هائل لا يمكن للطاقة الاحتياطية سده. فالمشكلة لا تكمن فقط في توفر النفط، بل في القدرة على نقله في الوقت المناسب. هذا التأخير يرفع كلفة الوقود وأجور الطواقم وأقساط التأمين، ما ينعكس مباشرة على الأسعار ويغذي موجة تضخم جديدة.
قفزت أقساط التأمين البحري نحو 400%، والرسوم الإضافية على الحاويات لامست 4000 دولار. وفي النهاية، لا تدفع الشركات الفاتورة وحدها، بل المستهلك أيضاً، عبر موجة غلاء مرتبطة بضريبة لوجستية خفية.
ويستطرد عجاقة موضحاً، أن المعضلة الأكبر تقع على عاتق البنوك المركزية، إذ صُممت المخزونات الاستراتيجية لمواجهة نقص الإنتاج، لا شلل النقل. فما جدوى النفط إن تعذّر شحنه؟ وهنا يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: خفض الفائدة لدعم النمو، أو إبقاؤها مرتفعة لكبح تضخم الطاقة. والمرجح هو التشدد النقدي، حتى لو دفع الاقتصاد نحو الركود، في معادلة صعبة بين احتواء التضخم المستورد وحماية التنمية المحلية.
مجتمعةً، لا تكفي البدائل المتاحة لتعويض أي نقص واسع النطاق، فيما تتصاعد المخاوف من ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة. فأي اضطراب طويل الأمد قد يضاعف تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، ويزيد الضغوط على الأسواق والاقتصادات المستوردة للطاقة، في ظل مرونة استراتيجية محدودة ترفع احتمال نشوء أزمة طاقية ممتدة.
من جهته، يشير سكاف إلى أن بعض الدول تمتلك مخزونات استراتيجية كبيرة، مثل الصين والهند والولايات المتحدة، فيما تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على الإمدادات النفطية الخارجية، وقد يشكل النفط الروسي المتداول خارج الأطر الرسمية بديلاً جزئياً في حال تفاقم النقص.
الدول الأكثر تأثراً
تعتمد دول الخليج بدرجات متفاوتة على المضيق. الكويت وقطر والعراق يعتمدون عليه بالكامل، بينما تمتلك السعودية والإمارات بدائل جزئية لكنها لا تكفي لتعويض كامل الصادرات البحرية في حال الإغلاق الطويل. وحتى إيران، رغم موقعها المطل على المضيق، ستتضرر من استمرار الإغلاق طويل الأمد.
على الصعيد الدولي، تعتمد آسيا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية بدرجات متفاوتة على نفط الخليج، بينما أوروبا والولايات المتحدة تتأثران بشكل غير مباشر بتقلبات الأسعار، ما ينعكس على التضخم والنمو الاقتصادي عالمياً.
الكلفة الاقتصادية والأبعاد الجيوسياسية
يحذّر عجاقة، من أن ما نشهده ليس مجرد انقطاع في الإمدادات، بل تصدّع في سلاسل التوريد العالمية. فالخليج ليس مصدر نفط فقط، بل مركز للبتروكيماويات والأسمدة والمعادن، وتعطل واحد هناك قد يؤدي إلى نقص أسمدة وأزمة غذاء وتوقف مصانع في أوروبا وآسيا. إنها موجة اضطراب جديدة لا تقل وطأة عن جائحة كورونا، لكن هذه المرة وقودها البارود لا الفيروس.
من المتوقع أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 20–50%، وقد تتجاوز 120 دولاراً للبرميل، مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وتكاليف التأمين البحري، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة. كما قد يسحب هذا التوقف 15–20 مليون برميل يومياً من الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الصناعية، ما يقلص النمو الاقتصادي العالمي 0.5–1%
وأضاف سكاف، أن شركات التأمين البحري تواجه أزمة، مع توقف تغطية ناقلات النفط، ما يزيد تكاليف الشحن، بينما تستفيد الصين من النفط الإيراني لتعزيز تنافسيتها. وأوضح أن الولايات المتحدة لن تسمح باستمرار الإغلاق لأكثر من أيام أو أسابيع، متوقع تدخلاً سريعاً قد يجر دولاً إضافية إلى صراع عسكري.
في المحصلة، يبقى مضيق هرمز شرياناً لا غنى عنه للاقتصاد العالمي. البدائل موجودة لكنها محدودة، وبعض الدول، وعلى رأسها الكويت وقطر والعراق، لا تملك مخارج حقيقية. التأثير يشمل النفط والغاز وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي. أي إغلاق كامل يمثل اختباراً قاسياً لمرونة النظام الاقتصادي الدولي وتوازناته السياسية.
نبض