أزمة مستترة في "هرمز": كابلات الإنترنت البحرية في خطر!

اقتصاد وأعمال 05-03-2026 | 07:43

أزمة مستترة في "هرمز": كابلات الإنترنت البحرية في خطر!

المستقبل الرقمي العالمي يمر بقاع الخليج العربي، وحماية هذا المستقبل تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية لتشمل الدفاع عن "السيادة السيبرانية" في أعماق البحار.
أزمة مستترة في "هرمز": كابلات الإنترنت البحرية في خطر!
كابلات رقمية بحرية. (ذكاء اصطناعي)
Smaller Bigger

 

تُعد منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز من أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم، ليس بسبب تدفقات الطاقة التقليدية فحسب، بل كونها أحد أهم ممرات "الألياف الضوئية" التي تربط الاقتصادات الرقمية الكبرى في آسيا وأوروبا وأميركا.

 

وبينما يتركز الاهتمام العالمي اليوم على ناقلات النفط وأمن الملاحة، التهديد المستتر يقبع في قاع البحر، حيث تمر كابلات اتصالات لا تزيد سماكتها عن خرطوم الحديقة، لكنها تحمل نحو 97% من حركة الإنترنت العالمية، ونحو 80% من الاتصالات العسكرية الاستراتيجية.

 

نقطة اختناق رقمية

إن الطبيعة الجغرافية لمضيق هرمز تجعل منه "نقطة اختناق" فريدة للكابلات البحرية. فعرضه في أضيق نقطة نحو  33 كيلومتراً، تتقاسم السيادة عليه كل من إيران وسلطنة عمان. هذه الضيق الجغرافي يجبر الكابلات البحرية التي تربط بين الشرق والغرب على التمركز في ممرات ضيقة جداً، ويجعلها عرضة لمخاطر مضاعفة في حالات الصراع المسلح.

 

ومياه الخليج العربي ضحلة نسبياً مقارنة بالمحيطات المفتوحة، فلا يتجاوز عمق المياه في أجزاء واسعة منها 100 متر. وهذا العمق الضحل يزيد من هشاشة الكابلات البحرية؛ فبينما تكون الكابلات في المحيطات العميقة محمية بآلاف الأمتار من المياه، تظل الكابلات في الخليج ومضيق هرمز في متناول السفن التجارية، وشباك الصيد، والمراسي، فضلاً عن الأنشطة العسكرية التخريبية. فزرع إيران ألغاماً بحرية في مياه المضيق يزيد حتماً احتمال الأضرار العرضية أو المتعمدة لهذه الكابلات.

 

خريطة الكابلات الرقمية البحرية في الشرق الأوسط
خريطة الكابلات الرقمية البحرية في الشرق الأوسط

 

تضاريس القاع البحري وتوزيع الكابلات في منطقة الصراع

تعكس تضاريس القاع في مضيق هرمز تعقيداً يزيد من صعوبة حماية البنية التحتية الرقمية. فالمياه تكون أكثر عمقاً بالقرب من شبه جزيرة مسندم العمانية وتصبح أكثر ضحالة كلما اتجهنا شمالاً نحو السواحل الإيرانية. تتبع حركة الملاحة التجارية نظام تقسيم حركة المرور (TSS) الذي يقع معظمه في المياه العمانية، ولكن السفن الكبيرة والناقلات العملاقة (VLCCs) يمكنها تقنياً الملاحة في معظم أجزاء المضيق.

 

إن الاعتماد المتبادل بين أمن السطح (الناقلات) وأمن القاع (الكابلات) يخلق معضلة استراتيجية. ففي حالة الحرب، قد تلجأ إيران إلى استراتيجية "إنكار الوصول" (Anti-Access/Area Denial) ليس فقط للسفن، بل للبيانات أيضاً، باستغلال معرفتها الدقيقة بتضاريس القاع ومواقع الكابلات التي تمر قرب سواحلها.

 

أي بنية تحتية رقمية تحت التهديد؟

منطقة الخليج معبر حيوي لعدة أنظمة كابلات دولية تربط مراكز البيانات في جنوب شرق آسيا والهند بالبنية التحتية السحابية في أوروبا والولايات المتحدة. وأي اضطراب في هذه الأنظمة يؤدي إلى زيادة زمن الانتقال (Latency)  وفقدان البيانات، ما يؤثر على التداول المالي، والخدمات السحابية، والاتصالات الحكومية.

 

أهم أنظمة الكابلات الرقمية المارة عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز

1- بوابة أوروبا وفارس السريعة(EPEG) : كابل طوله 25,000 كيلومتر، يربط فرانكفورت في ألمانيا بسلطنة عُمان وإيران وصولاً إلى الهند، ويمثل مساراً برياً - بحرياً هجيناً يوفر زمن انتقال منخفض جداً بين أوروبا وآسيا، وهو أحد الأهداف الأكثر عرضة للخطر اليوم.

2- كابل عُمان وإيران(OMRAN) : يربط مباشرة بين محطات الهبوط في إيران (مثل جاسك وتشباهار) وسلطنة عمان (مثل بركاء وخصب (. إنه كابل حيوي للربط البيني الإقليمي ويمثل نقطة ضعف استراتيجية إذا تم استهدافه لقطع الاتصالات عن الداخل الإيراني أو الدول المجاورة.1

3- نظام كابلات فالكون(FALCON) : تملكه شركة "غلوبال كلود إكسشينج"، ويوفر الربط بين دول مجلس التعاون الخليجي والعديد من الدول الآسيوية والأوروبية.

4- نظام كابلات جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وغرب أوروبا(SEA-ME-WE 5) : أحد أطول أنظمة الكابلات في العالم، ويربط سنغافورة بفرنسا عبر الشرق الأوسط. يمر أساساً في البحر الأحمر، لكن تفريعاته الإقليمية تجعله عرضة للتأثر بالاضطرابات في الخليج العربي.

 

هذه الكابلات ليست أسلاكاً، بل هي العمود الفقري لما يسمى "الاقتصاد الرقمي الأزرق"، وتعطل كابل واحد يمكن أن يؤدي إلى تحويل حركة البيانات إلى مسارات أطول عبر المحيط الهادئ أو حول أفريقيا، ما يرفع زمن الانتقال بمئات الملي ثانية، وهذا كارثي لأنظمة الذكاء الاصطناعي والتداول الخوارزمي التي تعتمد على الميكرو ثانية.

 

القدرات الإيرانية في حرب "ما تحت السطح"

تمتلك إيران ترسانة بحرية متخصصة في العمليات غير المتماثلة في المياه الضحلة، تم تطويرها خصيصاً لمواجهة التفوق البحري الغربي التقليدي. وفي سياق الخطر على الكابلات، تبرز هذه القدرات تهديداً مباشراً يمكنه تنفيذ عمليات تخريبية بدقة عالية مع الحفاظ على قدر من الإنكار الاستراتيجي.

 

تُعد الغواصات "غدير" الإيرانية العمود الفقري للعمليات تحت السطحية في الخليج، وهي صغيرة مصممة للعمل في المياه الضحلة جداً حيث يصعب على الغواصات الكبيرة والمدمرات اكتشافها. تتميز بقدرتها على "الاستلقاء" في قاع البحر واستخدام أنظمة السونار السلبية لمراقبة الأهداف، ما يجعلها منصة مثالية لنشر الغواصين أو العبوات الناسفة قرب الكابلات.

 

وطورت إيران مركبات مسيرة تحت الماء (UUVs) قادرة على الغوص 200 متر والبقاء في حالة ترصد 24 ساعة. كما يمكن برمجتها للبحث عن توقيعات مغناطيسية أو صوتية للكابلات البحرية وقطعها أو زرع أجهزة تنصت عليها.

 

وبما أن إيران انتقلت من الدفاع إلى "توسيع مسرح العمليات"، فهذا يعني أنها لن تتردد في استهداف البنية التحتية الرقمية والكهربائية المغمورة، كجزء من استراتيجية "الحرب الشاملة" التي تهدف إلى شل قدرات دول الخليج الاقتصادية والتواصلية.

 

مضيق هرمز. (أ ف ب)
مضيق هرمز. (أ ف ب)

 

ممرات البيانات البديلة

تدرك القوى العالمية والشركات الكبرى أن الاعتماد المفرط على مضيق هرمز والبحر الأحمر يمثل خطراً استراتيجيا. وأدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من مشاريع الكابلات التي تسعى إلى "تجاوز" نقاط الاختناق التقليدية عبر مسارات برية وبحرية مبتكرة.

 

1 - مشروع "بلو-رامان" (Blue-Raman) وممر  IMEC

نظام كابلات "بلو-رامان" من غوغل هو أحد أكثر المشاريع طموحاً لتغيير خارطة الإنترنت العالمية. ينقسم إلى كابل "بلو" الذي يربط إيطاليا وفرنسا بإسرائيل، وكابل "رامان" الذي يربط إسرائيل بالأردن والسعودية وعمان وصولاً إلى الهند. يوفر أول مسار مباشر يربط أوروبا بالهند من دون المرور بقناة السويس أو مضيق هرمز، وهذا يقلل من تعرض البيانات للاضطرابات في تلك المناطق. ويمثل كابل ممر IMEC  الركيزة الرقمية لممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي، الذي يهدف إلى دمج شبكات السكك الحديدية مع كابلات الألياف الضوئية لإنشاء "طريق حرير عصري" محصن ضد الأزمات التقليدية.

 

2- الممر الأوسط والتحول عبر آسيا الوسطى

برز "الممر الأوسط (Middle Corridor) "بديلاً رقمياً يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وتركيا. إن مشروع Digital Silk Way يتضمن إنشاء خط ألياف ضوئية عابر لبحر قزوين بسعة تصل إلى 400 تيرابت في الثانية.  يوفر هذا المسار زمن انتقال أقل مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة، ويتجنب العقوبات المفروضة على المسارات الروسية الشمالية، ويبتعد عن مناطق النزاع النشط في الشرق الأوسط.

 

الحرب المعلوماتية والسيادة الرقمية في الخليج

لا يقتصر تأثير الحرب في إيران على التدمير المادي للكابلات، بل يمتد إلى "الحرب السيبرانية" التي تستهدف تدفق البيانات عبر هذه الكابلات. تمثل محطات هبوط الكابلات (Landing Stations) نقاط ضعف استراتيجية حيث يمكن للجهات الفاعلة التابعة للدولة اعتراض البيانات أو تعطيل الشبكات محلياً.

 

رداً على هذه التهديدات، بدأت دول الخليج في تغيير نموذج استهلاكها للبيانات:

توطين البيانات: تسارع الاستثمار في مراكز البيانات المحلية لضمان استمرارية الخدمات الحكومية والمالية حتى في حالة انقطاع الكابلات الدولية.

استراتيجية السحابة السيادية: تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليل الاعتماد على مزودي الخدمات السحابية العالميين الذين قد تتأثر مراكزهم في مناطق أخرى، من خلال بناء سحب وطنية "منعزلة" تقنياً عند الضرورة.

مراقبة القاع البحري: بدأت دول مثل الإمارات والسعودية في نشر شبكات مراقبة صوتية (Acoustic Monitoring) ومسيّرات تحت الماء لمراقبة أي نشاط مشبوه قرب الكابلات الحيوية.

 

المستقبل الرقمي العالمي يمر بقاع الخليج العربي، وحماية هذا المستقبل تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز مفاهيم الحرب التقليدية لتشمل الدفاع عن "السيادة السيبرانية" في أعماق البحار. وأي تجاهل لهذا البعد في الصراع الجاري مع إيران سيكون قبولاً بانهيار النظام الرقمي العالمي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
ايران 3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان