الدكتور أيمن عمر*
مع اندلاع العمليات العسكرية، عاد مضيق هرمز ليتصدر الواجهة الإعلامية، والحديث عن مركزه في سوق الطاقة الدولية وأهميته للدول المحيطة به. حيث يمثّل هذا الممر البحري، الذي لا يتجاوز عرضه عند أضيق نقطة بممرات ملاحية فعلية لا تتعدى 3 كيلومترات لكل اتجاه، شرياناً حيوياً يمر عبره ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط والمكثفات يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي. وقد أبرزت الحرب الحالية أهمية المضيق كعنق زجاجة في صادرات النفط الخليجية ومركز ثقل على الاقتصاد العالمي برمته.
الصادرات الخليجية والاعتماد على المضيق
الدول المطلة أو المعتمدة على المضيق تنتج مجتمعة أكثر من 30 مليون برميل يومياً، ولفهم حجم الانكشاف الاستراتيجي.
يوضح الجدول التالي اعتماد كل دولة على المضيق، كما يلي:
| الدولة | الإنتاج النفطي الإجمالي (مليون برميل/يوم) | الصادرات اليومية (مليون برميل/يوم) | نسبة الاعتماد على مضيق هرمز | الملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| الدولة | الإنتاج النفطي الإجمالي (مليون برميل/يوم) | الصادرات اليومية (مليون برميل/يوم) | نسبة الاعتماد على مضيق هرمز | الملاحظات |
| السعودية | 10 | 7–8 | 70–85% | أكبر مصدر عبر المضيق (~5.5–6 مليون برميل يومياً) |
| الإمارات | 3.5–4 | 3 | 55–70% | خط حبشان–الفجيرة يغطي ~1.5–1.8 مليون برميل يومياً |
| الكويت | 2.6–2.8 | 2–2.1 | ~100% | لا توجد بدائل بحرية أو برية فعّالة حالياً |
| العراق | 4–4.5 | 3.3–3.7 | ~100% | الصادرات تعتمد كلياً على موانئ الجنوب |
| قطر | 1.1–1.2 | 1.1–1.2 | 100% | تشمل النفط والغاز المسال، لا توجد بدائل |
| البحرين | صغير نسبيًا | يعتمد على المضيق | 100% | لا توجد بدائل، اعتماد كامل على المضيق |
| إيران | 3–3.5 | 1.5–2 | 100% | معظم الصادرات النفطية تمر عبر المضيق |
الإحصاءات الحديثة تذكر أن السعودية كانت أكبر مصدر عبر المضيق بمعدل يقارب5.5 ملايين برميل يومياً أي حوالي35- 40% من إجمالي الفائض العابر للمضيق. بالنسبة للكويت، وقطر، والبحرين، والعراق، يمثل المضيق "نقطة ارتكاز وحيدة، أي تعطل للممر يعني توقفاً شبه كامل للتدفقات النفطية، وهو ما يضع هذه الدول أمام مخاطر اقتصادية كبيرة في حال الأزمات.
رغم أن السعودية والإمارات تمتلكان الحصة الأكبر من الإنتاج (ما يزيد عن 12-14 مليون برميل يومياً معاً) وتمتلكان خيارات نقل برية، إلا أن الجدول يظهر أن غالبية صادراتهما لا تزال تعتمد على المضيق. هذا يعني أن المسارات البديلة (خطوط الأنابيب) لا تزال، في واقع الأمر، "مكملة" وليست "بديلة"، ولا توفر حماية كاملة ضد توقف الملاحة.

خطوط الأنابيب البرية: حلول جزئية
لمواجهة هذا التركّز، أنشأت السعودية والإمارات خطوط أنابيب برية لتخفيف الضغط على المضيق:
• خط شرق– غرب (السعودية): يربط حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، طاقته الرسمية تصل في بعض السنوات إلى حوالي5 مليـون برميل يومياً، وقد توسعت نظرياً إلى ما يقارب 7 ملايين برميل يومياً في أوقات معينة. هذا الخط يسمح للمملكة بتحويل جزء كبير من صادراتها بعيداً عن الخليج، لكنه لا يغطي كامل التدفقات التي تعبر المضيق. تشغيله عند الحد الأقصى يتطلب إدارة دقيقة، إذ تتأثر كفاءته بعوامل الضغط، اللزوجة ونوعية الخام، مما يقلص هامش الأمان التشغيلي.
• خط حبشان– الفجيرة (الإمارات): طاقته تبلغ حوالي1.5 إلى 1.8 مليون برميل يومياً، وهو يربط بحيرة حبشان بمحطة التصدير في الفجيرة بعيدًا عن مضيق هرمز، مخصص بشكل رئيسي لصادرات خام مربان، ويوفر منفذاً استراتيجياً مهماً للإمارات. لكن قدرته محدودة مقارنة بإجمالي صادرات الدولة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من النفط لا يزال يعتمد على مرور المضيق.
مع جمع الطاقتين، يمكن نظرياً نقل ما بين 8–9 ملايين برميل يومياً عبر المسارين، وهو ما يخفف الضغط جزئياً لكنه لا يعوّض كامل الصادرات. كما أن جزءاً من الإنتاج، خاصة الحقول البحرية، مرتبط بموانئ داخل الخليج، ما يجعل إعادة توجيهه إلى هذه الخطوط البرية معقدة تقنياً ولوجستياً.
إن أمن الطاقة الخليجي ليس مجرد مسألة تنوّع مسارات، بل هو أزمة جغرافية مزمنة. إن الاعتماد المتجاوز لنسبة 70% في أغلب الدول يعني أن "مضيق هرمز" ليس مجرد ممر مائي، بل هو المحرّك الفعلي لاقتصاديات المنطقة، وأي تهديد له هو تهديد مباشر لاستدامة تدفقات الطاقة العالمية. ولا تعد الأنابيب البرية بديلاً استراتيجياً مستقلاً عن الممر المائي، بل هي مجرد صمام أمان جزئي يمنح هامشاً ضيقاً للمناورة، مما يبقي على "عنق الزجاجة" حقيقةً جغرافيةً تفرض نفسها على أمن الطاقة العالمي.
* أكاديمي وباحث اقتصادي
نبض