حين يدفع الاقتصاد ثمن السلاح: الاستثمارات التشغيلية تتراجع عربياً... ومناعة خليجية لافتة!
بين أصوات الصواريخ وتقلبات الجبهات، تتسلل الحرب بهدوء إلى قلب الاقتصاد، لتترك آثاراً لا تقل خطورةً عن الدمار العسكري. فالخسائر لا تُقاس بعدد الضحايا فحسب، بل بحجم الاستثمارات المهددة، والوظائف المفقودة، والأسواق المرتبكة، من إيران إلى دول الخليج، مروراً باقتصاداتٍ هشّةٍ مثل لبنان.
ومع تهديد طرق الطاقة في مضيق هرمز، ترتفع تكلفة المعيشة ويتراجع الأمل بالنمو، فيما تتحول المنطقة إلى ساحة اختبارٍ قاسٍ لقدرتها على الصمود. وبين مكاسب موقتة وخسائر طويلة الأمد، تفرض الحرب واقعاً اقتصادياً جديداً يطاول الجميع من دون استثناء.
لا تقديرات دقيقة
يقول الدكتور خالد رمضان، الخبير الاقتصادي ورئيس "المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية" في القاهرة، لـ"النهار"، إن الوظائف والاستثمارات في المنطقة العربية ستتأثر طبعاً بالحرب، لكن بشكل متفاوت،"والتأثير يشمل ارتفاع مخاطر الاستثمار وانخفاض التدفقات الأجنبية، نظراً الى اعتماد المنطقة العربية على الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة والسياحة والعقارات".
بحسب رمضان، لا تقديرات دقيقة لحجم الاستثمارات المهددة في المنطقة العربية نتيجة للحرب، "لكن يمكن تقدير حجم الاستثمارات التشغيلية المهددة في قطاع الطاقة بنحو ملياري دولار يومياً. كما تشكل الاستثمارات التشغيلية 90% من إيرادات الحكومات في الدول العربية، ما يعني تهديداً لاستثمارات رأسمالية بمئات المليارات سنوياً، "فإذا امتد إغلاق مضيق هرمز أسابيع، ربما تصل الخسارة التراكمية إلى نحو 100 مليار دولار في الإيرادات التشغيلية لدول الخليج وحدها".
في قطاع الشحن واللوجستيات، إغلاق هرمز يهدد استثمارات تشغيلية في الموانئ والشحن، ويُقدر حجم الشحنات المتوقفة حاليًا بنحو 450 ألف حاوية، مع زيادة في تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 50% بسبب ارتفاع أقساط التأمين. وفي قطاع التصنيع والبتروكيماويات، الاستثمارات التشغيلية مهددة بارتفاع تكاليف المدخلات بنسبة ربما تبلغ 25%، خصوصاً في مشتقات النفط، مثل البلاستيك والمطاط. يعتمد التصنيع العربي على هذه المدخلات، وقد يتراوح التهديد بين 10 و20 مليار دولار في شكل تكاليف إضافية للشركات الكبرى، مثل "أرامكو".
زيادة في التكاليف التشغيلية
ربما تتراجع الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية بنسبة 20 إلى 30%، ما يهدد حجم استثمارات إجمالي بين 100 و200 مليار دولار في القطاعات التشغيلية، كالطاقة والسياحة. وإعادة توجيه الشحنات عبر رأس الرجاء الصالح تضيف 10-15 يوماً إلى الرحلات، وهذا يزيد التكاليف التشغيلية بنسبة إضافية بين 10 و20% للاستثمارات في التجارة الإقليمية.
اجمالاً، يمكن تقدير الحجم الإجمالي للاستثمارات التشغيلية المهددة في المنطقة العربية نتيجة لاستمرار الحرب بنحو 500 مليار دولار على المدى القصير إلى المتوسط بناءً على الإيرادات والتكاليف التراكمية. وهذه تقديرات تعتمد على سيناريو استمرار الصراع أسابيع، وربما تتغير إذا حدث تصعيد إضافي، أو تفاوض مفاجئ.
ويشير رمضان إلى وجود تأثيرات مباشرة على الأسواق المالية الإقليمية، مثل بورصتي دبي والرياض، اللتين قد تشهدان تقلّبات حادّة، مع تراجع مؤشرات الأسهم بنسبةٍ تراوح بين 5 و10% خلال الأسبوع الأول.
في ما يتعلق بسوق العمل، يتوقّع الخبير الاقتصادي أن يؤدي الصراع إلى انكماشٍ اقتصاديّ في المنطقة بنسبة تراوح بين 1 و2% خلال الربع الثاني من 2026، ما يهدّد ملايين الوظائف في القطاعات الخدمية والتجارية، خصوصاً إذا امتدّ الصراع أسابيع أو أشهراً. بحسبه، سيتأثر قطاعا السياحة والطيران سلباً مع إلغاء مئات الرحلات الجوية، ما يؤدي إلى فقدان وظائفٍ موسميةٍ في لبنان والأردن ومصر. وفي لبنان تحديداً، سيعيد قرار حزب الله توريط البلاد في الحرب سيناريو الركود الاقتصادي مع ارتفاع معدلات البطالة إلى 40% في حال امتداد الصراع مدة أطول.
مناعة خليجية
يؤكد رمضان أن دول الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية وقطر، تتمتع بمتانة اقتصادية واستثمارية عالية بفضل احتياطيات أجنبية هائلة تصل إلى تريليون دولار، وصناديق سيادية قوية مثل مبادلة الإماراتي، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي. توفر هذه الاحتياطيات وسادة مالية ضد التقلبات، كما أن التنويع الاقتصادي نحو القطاعات غير النفطية مثل السياحة والتقنية والذكاء الاصطناعي يقلل الاعتماد على النفط بنسبة تصل إلى 50% في بعض الدول.
يمكن أن نلاحظ أن الأسواق المالية الخليجية أظهرت مرونة، مع انخفاض محدود في المؤشرات بنسبة 1-3% فقط في الأيام الأولى، مقارنة بصراعات سابقة، بفضل الإصلاحات الهيكلية والشراكات الدولية مع الصين والولايات المتحدة.
ورغم الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى 77 دولارًا للبرميل، يمكن الخليج تعزيز الإنتاج لتعويض النقص الإيراني، ما يولد إيرادات إضافية تصل إلى نحو 100 مليار دولار إذا طال الصراع. مع ذلك، يشكل التصعيد طويل الأمد مخاطر مثل انخفاض الاستثمارات الأجنبية بنسبة 3-5% وارتفاع التكاليف اللوجستية.
تعتمد القدرة على التجاوز على سرعة التهدئة ففي سيناريو قصير للحرب، يتوقع نمو اقتصادي بنسبة 3 إلى 5% في 2026، مدعومًا بطلب عالمي قوي على الطاقة والتنويع.
نبض