"جسر موسى".. 4 مليارات دولار تعيد تشكيل خريطة التجارة بين أفريقيا وآسيا
بعد أكثر من 30 عاماً وافقت مصر والسعودية على مشروع ضخم تقدر تكلفته بنحو 4 مليارات دولار، وهو "جسر موسى" الذي يربط القاهرة بالرياض، فما هي ملامح المشروع، وما أهميته لمصر والسعودية ودول الخليج، وما هي التحديات التي تواجهه، والعوائد الاقتصادية المستهدفة من تنفيذه؟
ما هو مشروع "جسر موسى"؟
مشروع جسر موسى ليس وليد اليوم بل تعود المفاوضات لتنفيذ هذا المشروع اللوجيستي الحيوي لعام 1988، لكنه ظل حبيس الأدراج المُغلقة، حتى عام 2016، عندما اكتسب زخماً حقيقياً خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة، وفي حزيران (يونيو) 2025، صرّح وزير النقل المصري بأن المشروع، سواء كان جسراً علوياً أو نفقاً، "جاهز للتنفيذ في أي وقت".
يمتد جسر موسى على مسافة تقارب 32 كيلومترًا من رأس حامد في المملكة العربية السعودية إلى شرم الشيخ في مصر، ويستمد اسمه من قصة النبي موسى عندما شق الله له البحر الأحمر، في إشارة إلى دلالته الثقافية.
وتشير تقديرات المحللين إلى أن الجسر سينقل أكثر من مليون مسافر كل عام، وخاصة الحجاج المتجهين إلى مكة المكرمة، كما سيعزز التجارة والخدمات اللوجستية بين أفريقيا وآسيا، وفتح طريق بري لاستكمال الممر البحري المزدحم لقناة السويس.
ومن المتوقع أن تمول المملكة العربية السعودية كامل المبلغ البالغ 4 مليارات دولار، مما يضع المشروع ضمن استراتيجية رؤية المملكة 2030 للريادة الإقليمية والتحول الاقتصادي.

يقول الدكتور أسامة عقيل أستاذ هندسة النقل في جامعة عين شمس والخبير الدولي في مجال النقل والمرور والمطارات لـ"النهار" إن أسباب تأخر تنفيذ جسر موسى كان بعضها أسباب سياسية حيث كانت إسرائيل تعرقل تنفيذ الجسر وتشترط مشاركتها في المفاوضات وهو أمر رفضته المملكة ومصر، وأسباب اقتصادية أبرزها ضعف العائد الاقتصادي من تنفيذ الجسر حينها، حيث لم تتوفر المناطق اللوجستية اللازمة لخدمة حركة التجارة البينية بين القاهرة والرياض، والسبب الأهم أن تكلفة تشييد الجسر قبل 30 عاماً كانت باهظة جداً بخلاف تكلفته اليوم التي في متناول الدولتين.
ما هي العوائد الاقتصادية لجسر موسى؟
يجيب خبير النقل والمرور والمطارات، بأن تشييد جسر موسى سيسهم في رفع حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية بنحو 10% سنوياً، وهي نسبة قابلة للزيادة مستقبلاً مع توفير الخدمات اللوجستية اللازمة سواء لحركة البضائع أو للسائحين.
ويشير عقيل إلى أن معدل النمو التجاري السنوي سيتراوح بين 1 إلى 2 مليار دولار، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2025 ما قيمته 10 مليارات دولار، وفي حالة انتهاء التوترات الجيوسياسية في المنطقة من المحتمل أن يرتفع حجم التبادل التجاري إلى مستوياته الطبيعية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 14.4 مليار دولار (بنحو 54 مليار ريال سعودي) عام 2021، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، محققًا نموًا كبيرًا بنسبة تقارب 87% مقارنة بعام 2020.
و تسعى مصر إلى تعزيز حضور منتجاتها في السوق السعودية عبر زيادة صادراتها بما يتراوح بين 10% و15% خلال عام 2026 لتصل إلى نحو 4 مليارات دولار، مقابل 3.7 مليار دولار بنهاية عام 2025، وفق تصريحات سابقة لمسؤول حكومي مصري.
وتخطط مصر لزيادة عدد الغرف الفندقية بمنطقة الساحل الشمالي بما بين 20 ألفاً و30 ألف وحدة بحلول 2030، في ظل انتعاش عدد زوار البلاد، حيث يبلغ عدد الغرف الفندقية في مصر حاليًا 234 ألف غرفة.
كيف يساهم جسر موسى في تعزيز التجارة البينية؟
يقول عقيل إن الجسر يمثل مرحلة أولى للربط اللوجستي بين المملكة ومصر، مشيراً إلى أهمية توفير قطار سريع بجانب الجسر سواء كان نفقاً أو كوبري علوي، فهذا سيضاعف العائد الاقتصادي من الجسر، وسيحول التجارة البينية بين البلدين إلى تجارة دولية عابرة للقارات، خصوصاً في ظل اهتمام المملكة بمشروع نيوم السعودي، البالغة تكلفته 500 مليار دولار، والذي يمثل مدينة المستقبل الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للمملكة، وجزءاً أساسياً من عملية إعادة ابتكار المنطقة.
ويشير عقيل إلى أن الجسر يتماشى مع شبكة السكك الحديدية السعودية المتنامية، والتي تهدف إلى ربط المراكز التجارية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وهذه الجهود مجتمعة تُساهم في جعل المملكة مركزاً لوجستياً قوياً يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.
ويتحدث خبير النقل الدولي عن تجارب ناجحة مماثلة لجسر موسى، مثل الجسر الذي يربط البحرين بالسعودية، وعلى المستوى العالمي نجد طريق الحرير الصيني والجسر الذي يربط دول الاتحاد الأوروبي ببعضها البعض، مقترحاً أن يضم جسر موسى الأردن أيضاً لضمان حركة تجارة تبادلية أكثر توسعاً.
نبض