مؤتمرات باريس: دعم دولي للبنان لم تُنفَّذ شروطه فلم يكتمل صرف تعهداته
لا ينكفئ لبنان عن مناشدة المجتمع الدولي المساعدة لمواجهة أزماته المالية المتراكمة كوسيلة سهلة تجنب عهوده الرئاسية وحكوماتها المتعاقبة أيّ جهد إنقاذي داخلي، ولو كان بسيطاً، ودائماً تحت أعذار متفرقة قاسمها المشترك هو النفوذ السياسي للدولة العميقة التي تمنع أيّ عمل إصلاحي أو إجراء مالي.
واليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، يعود لبنان إلى المجتمع الدولي طلباً للمساعدة، بعدما أقفلت بوجهه الأسواق المالية نتيجة قراره الشهير التخلف عن سداد ديونه السيادية عام 2020، فيما الانهيار المالي لا يزال يُلقي بثقله على الاقتصاد كما على المالية العامة. والواقع أن أصدقاء لبنان في الخارج لم يتخلفوا عن تقديم الدعم لأسباب عديدة ومختلفة قد تكون ذات طابع سياسي وأمني في الأغلب. لكن الشروط التي رافقت ذلك الدعم بدت في مجملها مطالب لبنانية في الدرجة الأولى، ولم تنجح في تكريس منطق الوصاية الدولية الذي نادى به المعترضون في الداخل.
كانت النتيجة ولا تزال هي تخلّف لبنان عن تطبيق الإصلاحات المطلوبة منه، بسبب تعطيل داخلي، مقابل تأخّر وصول المساعدات الممنوحة. واليوم، يتكرّر المشهد مع مؤتمر دعم الجيش المقرّر مطلع آذار المقبل، وسط استمرار تعطيل تنفيذ التزامات لبنان في المجال الاقتصادي والمالي، كما في المجال السياسي المتصل بقرار نزع السلاح.
لن يكون مصير مؤتمر دعم الجيش في باريس مغايراً لمصير الموتمرات التي سبقته واستضافتها باريس، ولا سيّما سلسلة مؤتمرات باريس 1 و2 و3 التي شكّلت منصات لجمع دعم خارجي ضخم للبلاد. فهذه المؤتمرات، التي عُقدت في قلب العاصمة الفرنسية، لم تكن مجرد لقاءات ديبلوماسية، بل أظهرت توجّهاً دولياً لإنقاذ اقتصاد لبناني مثقل بأزمات متلاحقة. لكن السؤال الدائم يتعلق بجدوى هذه المؤتمرات، وهل حققت أهدافها وساهمت في رفد الاقتصاد وخزينة الدولة، وفقاً لما رمت إليه؟
شكل مؤتمر باريس 1 المحطة التحضيرية الأولى لبداية الدعم الدولي. وقد عُقد في 27 شباط 2001 في قصر الإليزيه، تحت رعاية الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، وبمبادرة من الرئيس رفيق الحريري آنذاك، بمشاركة واسعة من المانحين الدوليين والإقليميين.
كانت فكرة المؤتمر تأسيس شراكة جديدة بين لبنان والمجتمع الدولي للخروج من تبعات ركود اقتصادي متفاقم وديون متزايدة، والتحضير لعقد مؤتمر موسع. وقد تعهّد المانحون بتقديم نحو 500 مليون يورو مساعدات وقروضاً ميسّرة، في بادرة أولية. ورُبطت تلك الأموال بخطط إصلاح اقتصادية لبنانية، تضمنت تحفيز القطاع الخاص، وإصلاح النظام الضريبي، وتحسين المالية العامة. وكانت الغاية من الأموال دعم السياسات الاقتصادية اللبنانية، وتحسين بيئة الأعمال. لكن تحقيق الإصلاحات سجّل تأخراً أو تنفيذاً جزئياً في كثير من البنود المتفق عليها، فيما كان الإعداد يجري لمؤتمر ثان لتوسيع الدعم وتعميق الإصلاح. وقد عُقد بعد عام ونصف العام تقريباً مؤتمر باريس 2 في تشرين الثاني 2002، وكان بمشاركة أوسع واهتمامٍ أكبر من مؤسسات مالية دولية.
حقق المؤتمر نتائج باهرة من حيث المشاركة وحجم الدعم، إذ بلغت التعهدات نحو 4.4 مليارات دولار، تشمل قروضاً وتسهيلات وإنفاقاً على مشاريع تنموية. لكن التعطيل السياسي الذي واجه نجم ذلك المؤتمر، رفيق الحريري، في الداخل، أدى إلى منع تنفيذ الإصلاحات، ولم يتسلم لبنان إلا نحو (2.6) ملياري دولار على شكل قروض وتسهيلات، تم استخدام جزء منها في إعادة هيكلة الدين العام عبر استبدال ديون باهظة الكلفة بقروض أقل فائدة. وركزت الأموال على دعم المشاريع التنموية وتحفيز النمو، لكن الإصلاحات الأساسية (كالضرائب وترشيد الإنفاق) لم تُكمل بنجاح.
بعد اغتيال الحريري وتفاقم الأزمة في لبنان، بادر الرئيس فؤاد السنيورة إلى تحريك المجتمع الدولي لعقد مؤتمر جديد عُرف بمؤتمر باريس 3، في ٣ كانون الثاني ٢٠٠٧، وكان الأكبر من نوعه، إذ أتى في ذروة الأزمات التي واجهها لبنان بعد الحرب وحاجته إلى نهج إنقاذ اقتصادي شامل. تجاوزت التعهدات الـ 7.6 مليارات دولار من هبات وقروض ميسّرة، بدعمٍ من السعودية، وفرنسا، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وخصّصت الأموال لخفض الأعباء المالية للدولة عبر تمويل جزء من الدين، وتشجيع المشاريع التنموية الكبرى ودعم البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
ورغم ضخامة الوعود، واجه التنفيذ بطئاً وتأخراً كبيراً وسط تحديات سياسية داخلية وصعوبات في تطبيق الإصلاحات الهيكلية. ثم توالت بعد ذلك المؤتمرات مع مؤتمر "سيدر"، ثم مؤتمرات دعم الإغاثة بعد انفجار مرفأ بيروت، ودعم الجيش، وظلت العقبة الأساسية هي عينها: التخلف عن تنفيذ الإصلاحات والشروط الدولية، وبقي وصول الأموال بالقطارة، بعدما لمس المانحون غياب الشفافية في صرفها، ووجود هدر وفساد، ما أعاق اكتمال وصول الدعم، فيما تغيرت وجهة الإنفاق الدولي لدول أخرى، وتحديداً جزءاً من قروض البنك الدولي بعد انقضاء مهلة تنفيذها وسحبها.
وبين الوعود والتنفيذ، يمكن اختصار المشكلة في نقاط ثلاث:
ربط الدعم بالإصلاحات: في المؤتمرات الثلاثة الأولى، كانت الأموال مشروطة بتطبيق إصلاحات اقتصادية وإدارية عميقة. لكن لبنان واجه صعوبات في التنفيذ بسبب الانقسامات السياسية والبيروقراطية.
التأخر في الصرف: حتى عندما تعهد المجتمع الدولي بمليارات، فإن صرف هذه الأموال على مشاريع ملموسة على الأرض كان بطيئاً أو متأخراً لأسباب تتعلق بلبنان أو بالجهة المانحة.
غياب الشفافية: شهدت التقارير الدورية حول تقدم العمل شكوكاً في كيفية وصول الأموال إلى المجتمع المحلي، خصوصاً أن فئةً كبيرة منها تُدار عبر هيئات دولية أو جمعيات المجتمع المدني من دون إشراف مباشر قوي، ما أدى إلى عدم وصول الأموال إلى وجهتها الحقيقية أو تبخر معظمها على الطريق.
في الخلاصة، من باريس 1 إلى باريس 3، أدت المؤتمرات الدولية دوراً مهمّاً في تقديم تعهدات مالية ضخمة للبنان. لكن الحصيلة العملية غالباً ما تأخرت أو اقتصرت على جوانب جزئية نتيجة تداخلات سياسية وإدارية، مع تأخر واضح في تنفيذ الإصلاحات الأساسية التي كانت شرطاً للحصول على الدعم. وحتى في المؤتمرات الأحدث مثل مؤتمر 2024، فإن الجزء المنفق بفاعلية يبقى أقل مما وُعِد به.
[email protected]
كيوسك
لن يكون مصير مؤتمر دعم الجيش في باريس مغايراً لمصير الموتمرات التي سبقته واستضافتها باريس
نبض