الدكتور أيمن عمر*
بينما تدق طبول الحرب في الأفق بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد السؤال اليوم مقتصرًا على من يمتلك القدرة العسكرية الأقوى، بل من يمتلك القدرة على الصمود أمام زلزال اقتصادي قد يعيد رسم ملامح النظام المالي العالمي.
فلسنا أمام حرب تقليدية، بل أمام سيناريو "الأهداف القاتلة" الذي يستهدف عصب الاقتصاد في مقتل، حيث تتحول الجغرافيا من ميزة استراتيجية إلى عبء باهظ الثمن، يضع إمدادات الطاقة، وسلاسل التوريد، وحتى رغيف الخبز العالمي، في مهب الريح.
ولطالما كانت الجغرافيا قدراً لا يمكن الفرار منه، واليوم تجد دول المنطقة نفسها تدفع ضريبة صراعات "لا ناقة لها فيها ولا جمل". إن سيناريو "خنق الممرات" الذي تلوح به طهران رداً على استهداف بنيتها التحتية يهدد بتحويل الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة طاقة وغذاء عابرة للقارات.
سيناريو الحرب
السيناريو الأقرب للحرب المتوقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران هو "حرب الأهداف الحساسة والمميتة"، إذ لن نرى غزوًا بريًا شاملاً وحربًا بالمفهوم التقليدي، بل ضربات جوية وصاروخية متبادلة ستستهدف بجانب أساسي منها عصب الاقتصاد، عبر ضربات ستستهدف مرتكزات الاقتصاد الإيراني مما قد يصيبه في مقتل فيسهم في إضعاف بل وإسقاط النظام الحاكم في إيران، ومن الجانب الآخر استخدام مضيق هرمز وما له من تأثير على سوق النفط العالمي والممرات البحرية كورقة ضغط إيرانية على الاقتصاد العالمي وتاليًا على الاقتصاد الأميركي، وكذلة إلحاق الاقتصاد الإسرائيلي بخسائر ضخمة جدا تفوق قدرته الذاتية على تحملها.
من هنا، قد يتم التركيز على شلّ قدرة إيران النفطية ومنشآتها النووية لقطع تمويلها وتدمير شبه تام لبنيتها التحتية ومقدرات اقتصادها. وسيحدث الرد الإيراني عبر "خنق" الممرات المائية، وتحديداً مضيق هرمز، لاستهداف ناقلات النفط وسفن التجارة العالمية، ما يحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى أزمة طاقة عالمية.

التداعيات الاقتصادية للحرب
1- حجم تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز: تؤكد تقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) لعام 2025 أن مضيق هرمز يمثل العصب الحيوي للطاقة العالمية، حيث يتدفق عبره وسطياً بين20.5 إلى 21 مليون برميل يومياً، ما يعادل20 % من استهلاك السوائل البترولية العالمي ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً.
لا تقتصر الأهمية على النفط فحسب، بل تمتد لتشمل أمن الطاقة النظيفة، إذ بعبر المضيق نحو20 % من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، والتي يتركز معظمها من الصادرات القطرية نحو الأسواق الدولية.
2- ارتفاع أسعار النفط في سيناريو الحرب: في حال اندلاع مواجهة مباشرة في الخليج، مرجح أن تشهد أسعار النفط قفزات حادة مؤقتة نتيجة اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة مرور حيوية لنحو 20–21 مليون برميل يوميًا.
وقد يؤدي تعطّل الملاحة أو هجمات على المنشآت النفطية إلى ارتفاع الأسعار سريعًا إلى حوالي100 دولار للبرميل في المرحلة الأولى من الصراع. وفي حال استدامة الأزمة أو اشتدادها مع تعطّل طويل نسبياً للإنتاج والنقل، قد ترتفع الأسعار في سيناريو أقصى إلى ما يزيد عن 120 دولارًا للبرميل، مما سيخلق ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد العالمي ويزيد من تكاليف الطاقة لكل القطاعات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن هذه المستويات ستتحقق فعليًا، فهي مرتبطة بمدى وطول الحرب.
3- فجوة في إمدادات النفط: تظل البدائل المتاحة حالياً غير كافية لامتصاص صدمة إغلاق المضيق؛ فبالرغم من التوسعة الاستثنائية لخط أنابيب "شرق-غرب" في السعودية لتصل سعته إلى7 ملايين برميل يومياً، إلا أنه يظل عاجزاً عن تغطية كامل الإنتاج السعودي.
بالمثل، تقتصر الطاقة الاستيعابية لخط "حبشان-الفجيرة" في الإمارات على1.8 مليون برميل يومياً، وهو ما يغطي أقل من نصف القدرة الإنتاجية الإماراتية، مما يترك فجوة إمدادات كبيرة في السوق.
4- ارتفاع أسعار الملاذات الآمنة: مع اضطراب أسواق الطاقة، سيتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب، بينما قد تشهد المعادن الصناعية مثل الألمنيوم والنحاس تقلبات حادة بسبب زيادة تكلفة الطاقة في الإنتاج، مما يعيد تعريف قيمة الأصول الاستراتيجية في أوقات الأزمات.
5- خفض النمو العالمي: هذا الارتفاع لن يتوقف أثره عند أسواق الطاقة، بل قد يتحول إلى صدمة اقتصادية شاملة إذ إنه بحسب بعض الدراسات فإن أي زيادة 20–30% في أسعار النفط من شأنها أن تخفض النمو العالمي بنحو 0.5 إلى 1% إذا كانت الزيادة مستدامة، مع عبء تضخمي عالمي لارتباطه بتكاليف الطاقة المرتفعة، مما يضع البنوك المركزية في مواجهة أزمة اقتصادية مزدوجة.
6- تصاعد تكاليف التأمين والمخاطر الملاحية: تشهد أسواق الشحن البحري في حالات النزاع ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف التأمين، حيث تتراوح علاوة الخطر بين 0.5–1% من قيمة السفينة عند دخول المنطقة المتأثرة، ما يزيد النفقات التشغيلية لكل ناقلة ويؤثر على أسعار السلع النهائية عالميًا.
7- اختناق سلاسل الإمداد والتوريد: تؤكد تقارير منظمة التجارة العالمية (WTO) أن أي اضطراب في مضيق هرمز سيجبر خطوط الملاحة الدولية على تحويل مساراتها نحو طريق "رأس الرجاء الصالح"، مما يضيف ما بين10 إلى 15 يوماً من زمن الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا. هذا التأخير الزمني لا يعني فقط تأخر وصول البضائع، بل يؤدي إلى انخفاض "السعة التشغيلية" للأسطول العالمي، حيث تظل السفن عالقة في البحر لفترات أطول، مما يخلق عجزاً حاداً في عدد الحاويات المتاحة للشحن الفوري.
8- اضطراب صناعة البتروكيماويات والأسمدة (الأمن الغذائي العالمي): تُعد دول الخليج وإيران من الفاعلين الرئيسيين في أسواق البتروكيماويات والأسمدة عالميًا. فدول الخليج مجتمعة تمثل ما يقارب 10–15% من تجارة الأسمدة النيتروجينية العالمية، بينما تُعد إيران من كبار منتجي اليوريا والميثانول بحصة تُقدَّر بنحو 5% تقريبًا من التجارة العالمية لليوريا ونسبة مماثلة تقريبًا من إنتاج الميثانول العالمي في بعض السنوات.

ونظرًا لاعتماد صادرات هذه المنتجات على الشحن البحري عبر مضيق هرمز، فإن أي تعطّل في الملاحة سيؤدي إلى اضطراب تدفقات مدخلات أساسية للقطاع الزراعي والصناعات التحويلية. إن أي نقص ملموس في إمدادات اليوريا أو الأسمدة النيتروجينية ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي، لا سيما في الدول المستوردة الصافية للأسمدة في آسيا وأفريقيا.
وبدلاً من افتراض زيادات حادة قد لا تكون مستندة إلى تقديرات رسمية، تشير تجارب سابقة في اضطرابات أسواق الطاقة والغذاء إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة يرتبط عادة بزيادات ملموسة في تكاليف الزراعة وأسعار المحاصيل، بما يعزز الضغوط التضخمية الغذائية عالميًا. وعليه، فإن أي أزمة ممتدة في الخليج لا تمثل صدمة طاقة فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي العالمي عبر سلاسل القيمة الزراعية والصناعية.
أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران قد تتحول بسرعة من صراع إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية، حيث سترتفع أسعار الطاقة، وتصبح سلاسل التوريد ستتعطل، والأمن الغذائي في خطر. هذا السيناريو يوضح هشاشة النظام الاقتصادي الدولي أمام صدمات الإمدادات، ويؤكد أن الأمن الاقتصادي أصبح بنفس أهمية الأمن العسكري.
*أكاديمي وباحث اقتصادي
نبض