إنجاز قطع الحسابات المتراكمة... وزارة المالية تحدد الموعد هذا العام

اقتصاد وأعمال 25-02-2026 | 14:26

إنجاز قطع الحسابات المتراكمة... وزارة المالية تحدد الموعد هذا العام

يُعتبر انجاز القطوعات المتأخرة اليوم "إن تمّ" ركيزة أساسية في ضبط المالية العامة وإعادة انتظامها. 
إنجاز قطع الحسابات المتراكمة... وزارة المالية تحدد الموعد هذا العام
صورة تعبيرية (الذكاء الاصطناعي)
Smaller Bigger

عاد ملف قطع الحساب إلى واجهة النقاش المالي في لبنان، عقب إعلان وزارة المالية العمل على إنجاز قطوعات حسابات الأعوام 2023-2024-2025 قبل 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وفي بلد يعاني من انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق، يصبح هذا الملف أكثر حساسية من أي وقت مضى. إذ لا يمكن فصل الحديث عن الإصلاح المالي أو استعادة الثقة أو مكافحة الهدر والفساد عن السؤال المركزي: هل تملك الدولة حساباتها الختامية؟

 

تصب وزارة المالية جهودها على إنجاز قطوعات الحسابات المتأخرة نهاية العام الفائت حسبما أعلن وزير المال ياسين جابر الذي أشار إلى تخصيص جهاز بشري قوامه 120 موظفاً لإدخال إيصالات القبض والتصاريح الضريبية غير المدخلة إلى الأنظمة (من العام 2022 لغاية العام 2024).

 

يُشكّل قطع الحساب السجلّ المالي الختامي الذي يبيّن بصورة دقيقة ما أُنفق فعلياً وما جُبي من إيرادات خلال سنة مالية معيّنة، مقارنةً بما أُقرّ في قانون الموازنة. وهو الأداة التي تُقاس عبرها مدى التزام السلطة التنفيذية بالأرقام التي صادق عليها المجلس النيابي. ويُعتبر انجاز القطوعات المتأخرة اليوم "إن تمّ" ركيزة أساسية في ضبط المالية العامة وإعادة انتظامها.

تفاصيل خطة وزارة المالية وتحدياتها
في تفاصيل الخطة، يشير المدير العام لوزارة المال بالإنابة ومدير الشؤون العقارية جورج معراوي في حديث لـ "النهار" إلى أن "قطع حساب العام 2021 قد أُنجز، والعمل جار حالياً لإنجاز قطع حساب العام 2022 خلال أسابيع، والسنوات 2023-2024-2025 خلال مهلة أقصاها 2026/10/31 ، وجُنّدت لهذه الغاية كافة المديريات بالاضافة إلى المركز الإلكتروني".

 

وبحسب معراوي، فقد تضمنت الخطة المراحل الآتية:

 

  • تأمين كافة الاحتياجات من الموارد البشرية واللوجيستية لإنجازها
  • إصدار النصوص الإدارية اللازمة لتنفيذ ومتابعة هذه الخطة
  • إدخال وتسجيل كافة العمليات المحاسبية والمالية
  •  تدقيق وإجراء المطابقات المطلوبة للحسابات
  • إقفال الحسابات وتوحيدها
  • إصدار الموازين وحسابات المهمة وقطوعات الحسابات

 

وفي ما يخص أبرز التحديات التي تؤثر على تنفيذ الخطة، وكيفية تعامل المالية معها، كشف معراوي أن أبرزها النقص في الموارد البشرية والخبرات التي تعاني منه وزارة المالية منذ بداية الأزمة الاقتصادية ولغاية تاريخه وتدهور الرواتب، فضلاً عن الإدخال اليدوي لكميات كبيرة من إيصالات الدفع غير الممكننة والمتراكمة خلال السنوات السابقة بسبب جائحة كورونا وانفجار المرفأ والأزمة الاقتصادية والعدوان الإسرائيلي على لبنان. مؤكدًا أن أن الوزارة  تعمل على تجاوز هذه التحديات عبر تأمين المستلزمات اللوجستية وتقديم الدعم المعنوي والمادي للموظفين والعمل على المكننة الشاملة. 

 

كيف يواكب ديوان المحاسبة خطة المالية؟
يشكّل ديوان المحاسبة الحلقة الرقابية الأساسية في مسار قطع الحساب، بصفته الهيئة القضائية المكلّفة التدقيق في إنفاق المال العام والتثبت من مدى التزام الدولة بالقوانين المالية المرعية الإجراء.

 

وتعليقاً على الخطة، أوضح رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران لـ "النهار" أنه "تمت دراسة وتدقيق قطوعات حسابات الموازنة العامة والموازنات الملحقة عن الأعوام 1997 حتى العام 2021 ضمناً من قبل ديوان المحاسبة وأن الديوان بصدد الانتهاء من تدقيق قطع حساب العام 2021، وبذلك يكون قد أنجز حسابات 25 عاماً أودعتها وزارة المالية اعتباراً من 2019/3/6 بعد أن استغرقت الأخيرة نحو /23/ عاماً لإعادة تكوينها دون حسابات الأعوام 1993 لغاية 1996 ضمناً".

 

واعتبر أن "تدقيق هذه الحسابات خلال السنوات الست الأخيرة يعدّ إنجازاً مهماً ويُعيد انتظام العمل الرقابي ويؤمن الشفافية المطلوبة خلال المرحلة الراهنة. وقد قام ديوان المحاسبة بتدقيق قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة للسنوات المذكورة سابقاً من أجل التأكد من حسن انتظام عمل المالية العامة بعد انقضاء 23 عاماً على غياب عملية التدقيق وذلك  بهدف تلافي أي خلل يمكن ان يتمادى زمنياً في المرحلة المقبلة وينعكس سلباً على إعداد حسابات السنوات اللاحقة".

 

هل لدى الديوان الإمكانيات الكافية؟ ما أبرز الصعوبات؟
"بقي الديوان مثابراً على إنجاز هذه المهمة دون تردد"، شدد بدران، بالرغم من "الظروف الصعبة التي واجهته خلال المرحلة السابقة سواء لجهة الأزمة الاقتصادية الحادة التي أصابت الإدارات العامة بشلل (إضرابات القطاع العام المستمرة) أو لجهة وباء كورونا أو لجهة انفجار المرفأ أو لجهة النقص الحادّ في ملاك الديوان إذ لا يتجاوز عدد مدققي الحسابات الذين يعاونون القاضي في عملية التدقيق السبعة".

 

عقبات عديدة واجهت الديوان أثناء عملية التدقيق، بحسب بدران، منها، "بطء الإدارات في إيداعه المستندات اللازمة للتدقيق أو بتأمين المستندات الثبوتية من قبل وزارة المالية عند إجراء عملية التدقيق المحلي نظراً لقدم هذه الحسابات وتخزينها منذ سنوات عديدة ، وعدم إلمام الموظفين الجدد لدى بعض الإدارات بكافة المسائل المتعلقة بالرقابة المالية".

 

وعلى اثر جلسة مع وزارة المالية منذ نحو الأسبوعين، تم التوافق على إيداع ديوان المحاسبة حسابات الأعوام 2022 ،2023، 2024 و2025 قبل نهاية العام الحالي ، ويؤكد الديوان استعداده "للانتهاء من تدقيق الحسابات العائدة لهذه الأعوام وبالسرعة الممكنة لتمكين مجلس النواب وقبل نشر موازنة العام 2027 من إقرار قطع حساب العام 2025".

 

وختم بالإشارة إلى أن وزارة المالية وخلال الأشهر السابقة عملت على تأمين دعم مالي لفريق التدقيق ما ساعد على تكثيف المجهود وانجاز العملية بالسرعة المطلوبة، ويعمل الديوان حالياً على ملء الشواغر لديه سواء عبر مباراة لتعيين مراقبين ومدققي حسابات أو الإعلان عن دورة لمعهد الدروس القضائية لتعيين بعض القضاة ، وهو على تواصل مستمر مع الجهات المانحة لتأمين الدعم اللازم لتمويل وتطوير المعلوماتية لديه".

مخالفة للدستور وتعطيل الشفافية
أما الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة فأوضح لـ"النهار" أن إعداد موازنات سنوية من دون قطع حسابات سابقة يُعد مخالفة دستورية واضحة. وأشار إلى أن المادة 87 من الدستور تنص صراحة على أن مجلس النواب لا يوافق على نشر موازنة السنة قيد الدرس قبل الاطلاع على قطع الحساب. كما أن غياب قطع الحساب لا يعني فقط مخالفة نص دستوري، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل وظيفة الرقابة البرلمانية، إذ يفقد المجلس النيابي إحدى أدواته الأساسية في مراقبة الحكومة عبر ما يصدر عن ديوان المحاسبة. ولفت إلى أن البرلمان، الذي يفترض أن يوافق على أي التزام مالي جديد تتخذه الحكومة، يصبح عاجزاً عن تكوين صورة دقيقة حول حجم الديون والالتزامات المتراكمة على الدولة، ما يفتح الباب أمام تجاوز القوانين والدستور على هذا الصعيد. فبحسب عجاقة:"الرقابة هي جوهر أساسي، كما أنّ احترام الدستور يُعدّ عصباً للديموقراطيات".

 

من جهته، ربط الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان غياب قطع الحساب مباشرة بتراجع الشفافية والثقة، معتبراً أن الدولة تفقد في هذه الحالة ما يشبه "الدفتر الختامي" الذي يثبت بصورة موثّقة وقابلة للتدقيق ما الذي جُبي فعلاً وما الذي صُرف فعلاً، وعلى أي أبواب وبأي مستندات.

 

"الموازنة تمنح الإذن بالصرف، بينما قطع الحساب يثبت التنفيذ ويتيح المقارنة بين المخطط والمتحقق، وتحديد الفروقات والمسؤوليات. وعندما يتراكم غياب القطوعات لسنوات، يصبح من الصعب تكوين صورة متكاملة عن مسار الأموال العامة: أين حصل الانحراف؟ هل كان هناك تجاوز في الاعتمادات؟ وهل صُرفت نفقات خارج الأصول أو من دون رقابة كافية؟"، شرح لـ "النهار".

 

"هذا الفراغ لا يعني تلقائياً وجود فساد في كل الحالات، لكنه يخلق بيئة مثالية للالتباس ولتضارب الروايات، ويضعف قدرة المؤسسات الرقابية والقضاء والرأي العام على التحقق" أضاف محذراً.
وتابع: "الأخطر أنّ غياب قطع الحسابات ينعكس مباشرة على الثقة: ثقة المواطن، وثقة المانحين، وثقة المستثمرين. لأن السؤال البديهي: أين ذهبت الأموال؟ يصبح جوابُه تقديرياً أو مجزّأً بدل أن يكون موثقاً ومكتوباً ومراجعاً".

خطوات مطلوبة... بين المكننة والمساءلة ونشر المعلومات
على مستوى الحلول، يتقاطع الخبيران عند فكرة أساسية مفادها أن إنهاء أزمة قطع الحساب لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح إداري وتقني يواكب الرقابة. 

 

فعجاقة شدد على ضرورة إلزام مكننة المعاملات المالية وتحديث الأنظمة، إلى جانب تفعيل المساءلة عبر عقوبات مالية واضحة بحق من يعرقل أو يهمل، وصولاً إلى ربط إقرار الموازنة بوجود قطع حساب مرفق بها: "من الإجراءات التي يمكن اعتمادها أنه عندما تتأخر وزارة في عملها، أو يتسبب موظف أو قسم داخل وزارة بعرقلة الإجراءات، يمكن عندها أن تُجمّد الاعتمادات المخصصة له، أو تُجمّد اعتمادات الوزارة أو القسم المعني. وهذا من شأنه أن يخلق دينامية أكبر، بحيث يصبح الحصول على الأموال مرتبطاً بتوافر المعلومات وإنجاز المعاملات ضمن المهل".

 

من الضروري أن تكون المعلومات منشورة أمام الرأي العام، تابع عجاقة، ويعطي فرنسا مثالاً حيث "كانت ترسل إلى المنازل منذ سنوات كتيّبات صغيرة تتضمن تفاصيل الموازنة: كم جمعت الإيرادات، وكيف صُرفت النفقات، وما الذي قام به ديوان المحاسبة، وما المخالفات التي اكتشفها. في لبنان يجب القيام بخطوة مشابهة، والا فذلك يعني أننا سنبقى على الحال نفسها".

 

خطوات عملية لإنجاز القطوعات
خطوات عملية لإنجاز القطوعات

 

أما أبو سليمان فيطرح مقاربة عملية:

  • خطة وطنية واضحة بجدول زمني: تحديد السنوات ذات الأولوية، الإدارات الأكثر إشكالاً، ومؤشرات التقدم الشهرية لضمان الشفافية.
  • منصة مالية مركزية موحدة: تجميع البيانات وربط الخزينة والمحاسبة والإنفاق والجباية لتقليص العمل اليدوي.
  •  فريق "مهمة" مخصص: وحدة داخل وزارة المالية تعمل حصرياً على القطوعات مع تفويض واضح وحوافز ومعايير جودة.
  •  استعانة محدودة بخبرات خارجية: سد فجوات التدقيق والنظم وبناء قواعد بيانات أو مراجعة جودة بعقود قصيرة محددة النتائج.
  • إلزام الإدارات بتسليم الحسابات ضمن مهل: ربط التسليم بتقييم الأداء وتطبيق مساءلة واضحة لمنع التكرار.
  • تعزيز الرقابة المسبقة واللاحقة: تبسيط الإجراءات وتوجيه الرقابة نحو المخاطر الأعلى لضمان سرعة الإنجاز مع الحفاظ على الرقابة.
  • نشر ملخصات سنوية للرأي العام: تقارير مبسطة عن الإيرادات، الإنفاق، الفروقات والملاحظات لتعزيز المحاسبة المجتمعية والضغط الإيجابي للاستمرارية.


"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".

  
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال
لبنان 2/24/2026 12:55:00 AM
انتشار واسع لعناصر يُعرفون بـ"الأوزبك" في مدينة القصير بريف حمص، ولا سيما في المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية
لبنان 2/24/2026 1:04:00 PM
وزير خارجية لبنان: إسرائيل قد تضرب بنية تحتية استراتيجية ونعمل لمنع ذلك