المحكمة العليا الأميركية تكبح رسوم ترامب الجمركية... والتجارة العالمية أمام إعادة صياغة قانونية

اقتصاد وأعمال 25-02-2026 | 07:59

المحكمة العليا الأميركية تكبح رسوم ترامب الجمركية... والتجارة العالمية أمام إعادة صياغة قانونية

لا يمكن قراءة قرار المحكمة العليا بوصفه نهاية لسياسة الرسوم الأميركية، بل بداية لمرحلة جديدة تُعَاد فيها صياغة العلاقة بين القانون والتجارة.
المحكمة العليا الأميركية تكبح رسوم ترامب الجمركية... والتجارة العالمية أمام إعادة صياغة قانونية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض. (فرانس برس)
Smaller Bigger

لم يكن قرار المحكمة العليا الأميركية بإبطال الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة دونالد ترامب بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية مجرد حكم قانوني تقني، بل محطة مفصلية أعادت رسم حدود السلطة في السياسة التجارية الأميركية، وفتحت مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية بالاقتصاد العالمي. قضت المحكمة بأن القانون لا يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية، مؤكدة أن سلطة فرض الرسوم والضرائب تبقى في جوهرها من اختصاص الكونغرس وفق الدستور، وأن تفسير "تنظيم الاستيراد" بوصفه تفويضاً مفتوحاً لفرض رسوم واسعة زمنياً وقطاعياً يتجاوز قصد المشرّع.

 

بهذا المعنى، لم يُنهِ الحكم سياسة الرسوم الأميركية، بل قيّد المسار القانوني الذي يمكن للسلطة التنفيذية أن تسلكه لفرضها. فالقرار لا يمنع استخدام أدوات أخرى قائمة، كالرسوم المتصلة بالأمن القومي أو الرسوم المرتبطة بالممارسات التجارية غير العادلة، لكنه أوقف الاعتماد على قوانين الطوارئ كأداة مباشرة وسريعة لإعادة تشكيل التجارة الدولية. هذه النقطة تحديداً تعيد النقاش داخل الولايات المتحدة إلى مسألة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في رسم السياسة التجارية، وتؤكد أن الحرب التجارية لم تعد مجرد قرار سياسي، بل باتت مساراً قانونياً معقّداً يخضع إلى تفسير المحاكم وحدود التفويض التشريعي.

 

المحكمة العليا الأميركية. (فرانس برس)
المحكمة العليا الأميركية. (فرانس برس)

 

ردّ إدارة ترامب جاء سريعاً، إذ انتقلت إلى البحث عن أدوات بديلة، أبرزها اللجوء إلى قانون التجارة لعام 1974 الذي يسمح بفرض رسوم مؤقتة تصل إلى نحو 15 في المئة من ضمن شروط زمنية وتشريعية محددة. بالتوازي، أعلنت السلطات الجمركية وقف تحصيل الرسوم المرتبطة بقانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، مع الإبقاء على بقية منظومة الرسوم المفروضة بموجب قوانين أخرى. هذه السرعة في التحرك تكشف أن الرسوم لم تكن مجرد إجراء ظرفي، بل جزء من استراتيجية تفاوضية أوسع تستخدم التجارة كأداة ضغط في العلاقات الدولية.

الأثر الاقتصادي المباشر للقرار لا يقتصر على التجارة المستقبلية، بل يمتد إلى ملف مالي كبير يتعلق بإيرادات الرسوم السابقة. أشارت تقديرات إلى أن الرسوم الملغاة كانت تدر أكثر من 500 مليون دولار يومياً، وأن ما يزيد على 175 مليار دولار من الإيرادات الجمركية قد يصبح موضع مطالبات استرداد من قبل الشركات المتضررة. هذه الأرقام تعكس أن النزاع لم يعد قانونياً فقط، بل مالياً أيضاً، وقد يضع الخزانة الأميركية أمام التزامات معقدة تتعلق بإعادة الأموال وإدارة النزاعات القضائية المرتبطة بها.

عربياً، الأثر يتجاوز الصادرات المباشرة إلى الولايات المتحدة. يبلغ حجم التجارة السلعية بين الطرفين نحو 141.7 مليار دولار، مع فائض تجاري أميركي يقارب 19 مليار دولار، ما يجعل العلاقة مهمة لكنها ليست محوراً أساسياً في الاستراتيجية التجارية الأميركية مقارنة بآسيا أو أوروبا. ومع ذلك، فإن أي تحول في السياسة التجارية الأميركية ينعكس على المنطقة عبر ثلاثة مسارات رئيسية.

 

 

المسار الأول يتعلق بالدول التي تعتمد على صادرات صناعية أو تحويلية إلى السوق الأميركية، مثل الأردن في قطاع الألبسة أو المغرب في مكونات السيارات أو إسرائيل في التكنولوجيا. هذه القطاعات حساسة لأي رسوم جديدة، حتى وإن كانت عامة ومحدودة نسبياً، لأن هوامش الربح فيها تكون ضيقة في الأغلب. المسار الثاني يتمثل في الأثر غير المباشر في سلاسل الإمداد العالمية، إذ إن كثيراً من صادرات المنطقة يدخل في صناعات أوروبية أو آسيوية يُعَاد تصديرها إلى الولايات المتحدة، ما يجعل الطلب عليها مرتبطاً بتطورات التجارة العالمية لا بالسوق الأميركية مباشرة. أما المسار الثالث فيمر عبر الطاقة والنقل والتمويل، ولاسيما في دول الخليج، حيث يؤدي أي تباطؤ في التجارة العالمية إلى آثار في الطلب على النفط والاستثمارات اللوجستية والتدفقات المالية.

 

ترامب يعرض الرسوم الجمركية التي فرضها على مجموعة واسعة من الدول التي تربطها بواشنطن علاقات تجارية. (فرانس برس)
ترامب يعرض الرسوم الجمركية التي فرضها على مجموعة واسعة من الدول التي تربطها بواشنطن علاقات تجارية. (فرانس برس)

 

في الأسواق المالية، كانت ردة الفعل الأولية محدودة نسبياً، ما يعكس إدراك المستثمرين أن الإدارة ستجد مسارات بديلة للحفاظ على الضغط التجاري. لكن الهدوء الظاهري لا يلغي حالة عدم اليقين التي تفرضها المرحلة الانتقالية، إذ لم تعد الرسوم أداة مستقرة يمكن توقعها في الأجل البعيد، بل باتت مرتبطة بمسارات قانونية متعددة قابلة للطعن أو التعديل. وهذا يرفع تكلفة المخاطر القانونية أمام الشركات المتعددة الجنسيات، ويجعل قرارات إعادة تنظيم سلاسل الإمداد أكثر حذراً.

عالمياً، لا يعني الحكم نهاية استخدام الرسوم، بل إعادة صياغتها. فالولايات المتحدة لا تزال تعتبر الرسوم أداة تفاوضية في علاقاتها مع الصين والاتحاد الأوروبي والهند وغيرها. إلا أن التحول يكمن في أن فرض الرسوم سيصبح أكثر ارتباطاً بالمسار التشريعي والإجرائي، ما قد يبطئ عملية اتخاذ القرار لكنه لا يلغي الهدف الاستراتيجي منه. في هذا السياق، تتغير طبيعة النفوذ التجاري الأميركي من قدرة على التحرك السريع بقرارات تنفيذية إلى منظومة أكثر تعقيداً تتداخل فيها السياسة بالقانون.

 

 

في المحصلة، لا يمكن قراءة قرار المحكمة العليا بوصفه نهاية لسياسة الرسوم الأميركية، بل بداية لمرحلة جديدة تُعَاد فيها صياغة العلاقة بين القانون والتجارة. ستستمر الولايات المتحدة في استخدام الرسوم كأداة نفوذ اقتصادي، لكن من ضمن قيود دستورية وإجرائية أوضح، ما يجعل السياسة التجارية أكثر تعقيداً وأبطأ في التنفيذ. بالنسبة إلى اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الرسالة الأساسية هي أن الاستقرار في العلاقة التجارية مع واشنطن لم يعد مرتبطاً بالاقتصاد وحده، بل أيضاً بالبنية القانونية التي تحكم صنع القرار داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي يفرض على دول المنطقة تنويع أسواقها وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية تحسباً لمرحلة عالمية تتغير فيها قواعد التجارة بوتيرة متسارعة.

الأكثر قراءة

اسرائيليات 2/24/2026 6:30:00 AM
تحدث الإعلام الإسرائيلي عن أن ترامب قرر تغيير نهجه بالكامل، والانتقال من خيار الضربة المحدودة إلى تبنّي استراتيجية "السحق الطويل الأمد". 
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
ايران 2/24/2026 9:46:00 PM
حذّرت إسرائيل من أن "إبرام اتّفاق مع طهران سينقذ النظام الإيراني الحالي".
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال