"جسر جمركي" لمدة 150 يوماً: ماذا بعد قرار المحكمة العليا؟

اقتصاد وأعمال 23-02-2026 | 14:46

"جسر جمركي" لمدة 150 يوماً: ماذا بعد قرار المحكمة العليا؟

الرسوم الجمركية شكّلت خلال الفترة الماضية أحد أبرز مصادر الإيرادات الإضافية للخزانة الأميركية.
"جسر جمركي" لمدة 150 يوماً: ماذا بعد قرار المحكمة العليا؟
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025. (أ.ف.ب)
Smaller Bigger


أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسم ملامح سياسته التجارية، عقب قرار من المحكمة العليا الأميركية أبطل الرسوم الجمركية التي فُرضت استناداً إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA). الحكم فتح باباً واسعاً من التساؤلات في الأوساط المالية حول مستقبل السياسة الجمركية الأميركية، وأثرها على الإيرادات العامة، ومسار التضخم، وردود فعل الشركاء التجاريين.

في أعقاب القرار، أعلن ترامب استبدال رسوم IEEPA بتعريفة عالمية موحدة بنسبة 10%، قبل رفعها إلى 15%، على أن تسري لمدة 150 يوماً بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي صلاحية تتيح فرض رسوم موقتة لمعالجة اختلالات في ميزان المدفوعات. هذه الخطوة تعيد إلى الواجهة أداةً قانونية لم تُستخدم منذ سبعينات القرن الماضي، وتحديداً بعد تجربة ريتشارد نيكسون عام 1971 عقب انهيار نظام نظام بريتون وودز، حين فُرضت رسوم موقتة لمعالجة ضغوط على الدولار.

الرسوم الجمركية شكّلت خلال الفترة الماضية أحد أبرز مصادر الإيرادات الإضافية للخزانة الأميركية. فقد قفزت العوائد الشهرية بأكثر من 275% لتبلغ 30.4 مليار دولار في الأشهر الأخيرة، فيما تجاوزت الحصيلة منذ بداية السنة المالية 124 مليار دولار، بزيادة تقارب 300% على أساس سنوي. وبلغ إجمال التحصيلات في السنة المالية 2025 نحو 215.2 مليار دولار، مع استمرار المنحى التصاعدي في السنة المالية 2026. الإدارة الأميركية دفعت مراراً بأن هذه الإيرادات يمكن أن تساهم في تمويل أولويات داخلية، من خفض الدين العام الذي يناهز 38 تريليون دولار إلى مقترحات بإعادة جزء من العائدات الى الأسر الأميركية.

في المقابل، ترى تقديرات مؤسسات بحثية أن إلغاء الرسوم التي أبطلتها المحكمة قد يخفف الضغوط التضخمية بنحو نصف نقطة مئوية، وهو أثر محدود نسبياً على الاقتصاد الكلي، لكنه ملموس في قطاعات حساسة للواردات مثل التجزئة والتصنيع. الأسواق المالية استجابت بارتفاعات في الأسهم وتراجع في مؤشرات القلق المرتبطة بالتضخم، في إشارة إلى توقعات بتحسن هوامش أرباح الشركات المستوردة. غير أن الجدل لا يزال قائماً حول إمكان ردّ ما بين 85 و175 مليار دولار من الرسوم المحصلة سابقاً، وهي مسألة مرشحة لمعارك قضائية إضافية.

التحول إلى تعريفة عالمية موحدة بنسبة 15% يعيد توزيع الأعباء بين الشركاء التجاريين. تحليل أجرته منصة Global Trade Alert ونشرته "فاينانشال تايمز"، أظهر أن دولاً كانت مستهدفة برسوم مرتفعة بموجب IEEPA، مثل الصين والبرازيل، ستشهد انخفاضاً في متوسط الرسوم المفروضة عليها، في حين سيتحمّل حلفاء تقليديون للولايات المتحدة مثل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان عبئاً نسبياً أكبر ضمن النظام الجديد، خصوصاً في قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات التي لا تزال خاضعة لإجراءات إضافية.

من الناحية القانونية، تفتح المادة 122 مساراً انتقالياً أكثر منه دائماً، إذ تقيّد مدة الرسوم بـ150 يوماً ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً إضافياً. وزير الخزانة سكوت بيسنت وصف الإجراء بأنه "جسر" يتيح استمرار تدفق الإيرادات إلى حين استكمال تحقيقات بموجب مواد أخرى مثل 232 و301 من قانون التجارة. في الوقت نفسه، أكد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير أن الإدارة تعتزم المضي قدماً في تحقيقات قد تفضي إلى رسوم إضافية إذا بررت النتائج ذلك.

اقتصادياً، يثير تبرير الرسوم بوجود "عجز كبير وخطير" في ميزان المدفوعات نقاشاً واسعاً. فرغم اتساع العجز التجاري وصافي الاستثمار الدولي السلبي الذي يناهز 26 تريليون دولار، لا تعكس الأسواق مؤشرات أزمة تمويل خارجية، إذ يظل الدولار قوياً وتتدفق رؤوس الأموال إلى الأصول الأميركية. بعض الخبراء يشير إلى أن فرض رسوم شاملة قد يعمل كضريبة على المدخلات المستوردة، ما يرفع أكلاف الإنتاج ويضغط على هوامش الشركات، وربما يعزز الدولار بصورة تعاكس هدف تقليص العجز التجاري عبر إضعاف تنافسية الصادرات.

في المحصلة، تدخل السياسة التجارية الأميركية مرحلة انتقالية تتسم بقدرٍ مرتفعٍ من عدم اليقين القانوني والاقتصادي. الرسوم الجديدة توفر تدفقاً مالياً قصير الأجل وتعيد ترتيب خريطة الأعباء بين الشركاء، لكنها تظل مقيدة زمنياً ومعرضة لطعونٍ محتملة. وبينما تترقب الأسواق ما إذا كان الكونغرس سيوسع التفويض الرئاسي أو تُستكمل مسارات قانونية بديلة، تبقى العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وبقية العالم محكومة بتوازن دقيق بين الاعتبارات القانونية ومتطلبات الاستقرار المالي العالمي.

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.