الولايات المتحدة بين مطرقة الحرب وسندان الديون!
مهى كنج
عند منعطف دولي تتشابك فيه الجيوسياسية مع الحسابات المالية؛ وفي عالم تُقاس فيه القوة بعدد حاملات الطائرات وحجم التقدم العسكري ومستوى التفوق الاستخباري، يبرز الاقتصاد معيارًا لا يقلّ حسمًا. فالقوة الوطنية لا تُقاس فقط بقدرة الجيوش، بل أيضًا بقدرة الدولة على تمويل حروبها وصمود اقتصادها أمام الصدمات.
اليوم، وعلى حافة مواجهة محتملة مع إيران، تتجلى هذه المعادلة بوضوح في الولايات المتحدة: اقتصاد مثقل بدين وطني تجاوز الـ 38.5 تريليون دولار مع مطلع 2026، وسط توقعات ببلوغه الـ 40 تريليونًا بنهاية العام. السؤال الذي يفرض نفسه:، كيف سيتأثر الاقتصاد الأميركي إذا انخرطت واشنطن في صراع عسكري؟
تبدأ المعضلة من الداخل لا من ساحات القتال. فقد تباطأ النمو الاقتصادي الأميركي أواخر 2025 إلى نحو 1.4% بعدما كان 4.4% في الربع الرابع من 2024، نتيجة عوامل عدة أبرزها تراجع الإنفاق الحكومي. ورغم أن النمو لا يزال إيجابياً، فإنه يشير إلى اقتصاد متباطئ قد لا يستطيع امتصاص صدمة حرب كبيرة.
عجز سنوي يقارب تريليوني دولار
يواصل الدين الاتحادي صعوده القياسي، مدفوعاً بعجز سنوي يقترب من تريليوني دولار. ومع ارتفاع أسعار الفائدة التي يحافظ عليها الاحتياطي الفيديرالي لكبح التضخم، الذي بلغ نحو 3% مع توقعات ببقائه مرتفعاً نسبياً، تصبح خدمة الدين بنداً مالياً يلتهم حصة متزايدة من الميزانية سنوياً، ويقلّص قدرة الحكومة على تمويل البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية. نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو 124%، وهي من أعلى المستويات في التاريخ الحديث، ما يجعل أي صدمة مالية أو حرب محتملة عبئاً إضافياً على الاقتصاد. وسط هذه الأرقام الضخمة، نتساءل: هل يشكّل الدين العام للولايات المتحدة عائقاً حقيقياً أمام اتخاذ قرار الحرب، أم أنّ اعتبارات القوة النقدية والمالية تجعل هذا العامل ثانوياً أمام الاعتبارات السياسية والاستراتيجية؟
في حديثه إلى "النهار"، ينفي الخبير الاقتصاديالدكتور أنيس بو ذياب، عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي البيئي، أن يشكل الدين العام للولايات المتحدة عائقاً أساسياً أمام خيار الحرب، راداً ذلك إلى سببين رئيسيين يميّزانها من سائر الدول: "أولاً، الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، وهذا يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التمويل؛ ثانياً، سوق سندات الخزانة الأميركية هي الأكبر والأعمق عالمياً، وقادرة على جذب الاستثمارات بوتيرة عالية".
يضيف بو ذياب: "من منظور نظري، يؤدي ارتفاع الدين إلى زيادة كلفة خدمته وارتفاع أسعار الفائدة، كما أنّ الحروب الكبرى تُموَّل غالباً عبر إصدار سندات إضافية، ما يرفع العجز ويضغط على التصنيف الائتماني، كما حدث عام 2023 حين خفّضت وكالة "فيتش" تصنيف الولايات المتحدة بسبب اتساع العجز". لكنّ التجربة العملية تظهر أنّ الدين لم يكن يوماً عائقاً مباشراً أمام قرارات الحرب الأميركية، فقد خاضت واشنطن حرب فيتنام في الستينيات، ثم حربَي العراق وأفغانستان لاحقاً، رغم ارتفاع مستويات الدين آنذاك، ما يؤكد أنّ القرار في هذا المجال يبقى سياسياً واستراتيجياً بالدرجة الأولى، لا مالياً.

صعود التضخم العالمي واختبار صبر الاقتصاد الأميركي
في أسواق الطاقة، يبرز سيناريو اقتصادي آخر لن يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة، بل سيطال العالم أجمع إذا اندلع صراع مع إيران. فطهران لاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمية، وأي تصعيد يضع مضيق هرمز في قلب العاصفة. ويُعدّ المضيق شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المسال. ومجرد تهديد الملاحة فيه كفيل بدفع الأسعار صعودًا، والاعتماد على مسارات بديلة أعلى كلفة، وأقل فاعلية، ما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي، فكيف إذا أُغلق؟
ويُترجم ارتفاع أسعار النفط موجةً جديدة من الضغوط التضخمية عالمياً، أي أعباء مالية إضافية على المستهلكين، تتزايد حدتها في الولايات المتحدة خصوصاً، وعلى السياسة النقدية الأميركية في آنٍ واحد. ومع تصاعد التوترات، ارتفعت الأسعار إلى أعلى مستوياتها في ستة أشهر، متجاوزة الـ 70 دولاراً لبرميل خام برنت.
الأسواق المالية بدورها لا تنتظر نتائج المعارك، فعند اندلاع أي أزمة أو حرب، تتجه الاستثمارات نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات. وإذا ارتفعت عوائد السندات الأميركية نتيجة قلق المستثمرين، فإن تكلفة الاقتراض الحكومي سترتفع بدورها، ما يخلق حلقة مفرغة؛ الحرب ترفع أسعار الفائدة، وارتفاع الفائدة يزيد من كلفة الحرب. فهل يستطيع الاحتياطي الفيديرالي خفض الفائدة في ظل حرب وارتفاع أسعار الطاقة؟
يشير بو ذياب إلى أنّ خفض أسعار الفائدة أثناء الحرب ممكن، لكنه محفوف بالمخاطر الاقتصادية. فالخفض في ظل ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن النزاع قد يزيد الطلب، وبالتالي يرفع التضخّم بشكل كبير، ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام سيناريو الركود التضخّمي الأسوأ. بالتالي، الحرب مع إيران ليست مجرد قرار عسكري، بل تمثل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة الاقتصادية على مواجهة صدمات النفط، واختباراً لمصداقية سياستها النقدية وسوق سنداتها، التي تعدّ الأعمق في العالم. رغم أنّ الدين العام الذي تجاوز الـ 38 تريليون دولار يشكّل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، فإنّه ليس سبباً مباشراً يمنع واشنطن من خوض الحرب، بل يقلّص هامش المناورة، ويزيد صعوبة إدارة الاقتصاد في أوقات الأزمات.
الإنفاق الدفاعي الأميركي هو الأعلى عالمياً، والعمليات العسكرية، حتى لو كانت ضربات محدودة، تعني مليارات إضافية تُموَّل بالاقتراض. وكلما طالت مدة النزاع ارتفعت فاتورة الحرب، وقد تتحول إلى تريليونات كما حدث في صراعات سابقة.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من قدرة الاقتصاد الأميركي على التحمّل؛ فالدولار لا يزال عملة الاحتياط الأولى عالمياً، والاقتصاد الأميركي يتمتع بمرونة عالية، إضافة إلى قطاع التكنولوجيا الضخم، وصناعات الطيران والدفاع، والأسواق المالية المتطورة، والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن قاعدة الاستهلاك الواسعة التي تشكّل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي. كل هذه العوامل مجتمعة تدعم صلابة الاقتصاد.
فهل تستطيع الولايات المتحدة دفع فاتورة الحرب؟ الجواب، نعم، ولكن بثمن سياسي ومالي ثقيل قد يترك شرائح واسعة من المجتمع الأميركي تكافح لتأمين معيشتها. ويتبادر السؤال، أي القطاعات في الاقتصاد الأميركي ستستفيد ماليًا من الحرب، وأيها سيتضرر؟
من يستفيد؟
يوضح بو ذياب بأنّ المستفيدين المباشرين هم الصناعات العسكرية والدفاعية، بما في ذلك شركات الصواريخ التي تحظى بحصة كبيرة في الاقتصاد الأميركي. كما تستفيد شركات الطاقة، ولا سيما إنتاج الطاقة الصخرية في الولايات المتحدة، من ارتفاع أسعار النفط. إضافة إلى ذلك، تحقق شركات الأمن السيبراني والتقنيات الدفاعية الرقمية أرباحًا كبيرة خلال أوقات النزاع.
أما المتضررون، فهم عادة شركات الطيران والنقل نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتراجع حركة السفر، كما يتأثر القطاع الاستهلاكي بسبب التضخم وتراجع القدرة الشرائية. كذلك، تشهد أسواق الأسهم تقلبات حادة، حيث يفر المستثمرون من الأسهم إلى السندات والذهب كملاذات أكثر أمانًا.
التنبؤ بحرب ليس من نسج الخيال، فالتقارير تشير إلى حشد عسكري أميركي كبير في الشرق الأوسط يشبه التحضيرات التي سبقت حرب العراق عام 2003، ويشمل حاملات طائرات وأنظمة دفاعية وطائرات نقل. ومع ذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس الحرب الشاملة، بل ضربات محدودة أو مواجهة قصيرة، إذ يرى محللون أن الحسابات الاقتصادية قد تكون عنصر ردع أساسياً.
في المحصلة، فإن أي مواجهة أميركية - إيرانية لن تكون مجرد حدث جيوسياسي، بل اختباراً حقيقيًا لاقتصاد الولايات المتحدة في عصر الديون المرتفعة وعدم اليقين العالمي. وبين التصعيد والردع، يترقب العالم قدرة واشنطن على حماية مصالحها الاستراتيجية من دون زعزعة توازنها الاقتصادي الداخلي.
نبض