بعد الانتقادات لتجربة مقدمي خدمات الكهرباء... دفتر شروط جديد ركيزته نموذج "غب الطلب" القديم!
في 20 كانون الثاني، أعلن وزير الطاقة جو صدي أن مشروع مقدمي الخدمات في قطاع التوزيع لم يحقق النتائج المتوخاة، وهو موقف تلاقى مع ما أدلى به وزير المال ياسين جابر لـ"النهار" في أيلول 2025، حين شدد بدوره على أن التجربة فشلت. غير أن المعطيات العملية تشير إلى أن الإقرار بالفشل لم يتحول إلى مدخل لإصلاح حقيقي، بل بقي في إطار خطاب سياسي لا ينسجم مع آلية العمل القائمة.
اللافت أن الكلام على إعداد رؤية جديدة بالتعاون مع البنك الدولي يفترض أن تتضح معالمها في ربيع 2026 لتشكل خريطة طريق للمرحلة المقبلة، تزامن مع إعداد مسودات تأهيل مسبق ودفاتر شروط ترتكز عمليا على النموذج السابق نفسه. فقد رفِع عدد مناطق التوزيع من 3 إلى 9، وأعيد طرح الإطار التعاقدي نفسه تقريبا، فيما بقيت الهيئة الناظمة خارج الدور الفعلي، على الرغم من أن إنشاءها كان يستهدف تنظيم قطاعي الإنتاج والتوزيع وفصل الصلاحيات ضمن هيكلية مؤسساتية حديثة.
إلا أن مصادر وزارة الطاقة أكدت لـ"النهار" أن لا تناقض بين ما أعلنه الوزير والتحضير للمناقصات، مشيرة إلى وجود تنسيق بين مؤسسة الكهرباء والجهات المعنية لإعداد مسودة دفتر شروط تنسجم مع المرحلة الجديدة، علما أن الانتقال إلى الرؤية المستقبلية سيتم تدريجا بالتوازي مع التعاون والبنك الدولي.
وشددت المصادر على أن "المعايير المطلوبة من الشركات لم تخفض، بل جرى تحديثها بما يتيح توسيع قاعدة المنافسة من دون المس بجوهر الكفاية المطلوبة".

بيد أن مراجعة وثائق التأهيل المسبق تظهر مسارا مختلفا. فبدل رفع مستوى الشروط واستقطاب شركات ذات خبرة عميقة، جرى اعتماد وثيقة تعود إلى عام 2010 مع خفض ملحوظ في متطلبات الخبرة ورقم الأعمال وعدد الموظفين وحجم الشبكات التي ينبغي أن تكون الشركة قد أدارتها سابقا. كذلك ألغي شرط أن تكون الشركة لبنانية، ومنعت أي شركة من الفوز بأكثر من منطقة،(استثناءات لمناطق الاطراف) ما يؤدي إلى تجزئة العمل بدل تركيزه لدى جهات تمتلك قدرات تقنية ومالية أكبر. وبذلك يتوقع دخول متعهدين أصغر حجما إلى قطاع يحتاج إلى خبرات متراكمة وإمكانات ثابتة.
وفيما علمت "النهار" أن دفتر الشروط أصبح في هيئة الشراء العام وهو قيد التدقيق، يبدو أن (الدفتر) استند إلى صيغة أعدت عام 2010، مع حذف بنود كانت تمنح الشركات قدرا من الاستقلالية، وفي مقدمها موقع مدير البرنامج المستقل الذي كان يعوض جزئيا غياب الهيئة الناظمة. كذلك جرى تقييد صلاحيات الشركات التنفيذية بحيث أصبحت قراراتها خاضعة لموافقة رئيس الدائرة في مؤسسة الكهرباء. والسؤال: إذا كانت الوزارة تحترم دور الهيئة الناظمة، فلمَ تمنح المسودة الجديدة صلاحية القرار النهائي لـرئيس الدائرة بدلا من ربط العقود بمرجعية الهيئة كما يطلب القانون 462 والبنك الدولي؟".

تزداد الصورة غموضا مع التساؤل عما إذا كانت الوزارة تنتظر فعلا تقرير البنك الدولي أو تمضي في مسار مواز من دون انتظار نتائجه، ولا مؤشرات واضحة إلى أن البنك مطّلع بالكامل على الإجراءات المتخذة. ورغم ذلك، يجري التحضير لمناقصة قد تستغرق نحو سنة، تعقبها عقود تمتد ثلاث سنوات، ما يعني التزاما فعليا حتى عام 2030، وتأجيل أي إصلاح جذري أو تقييده بإطار تعاقدي جديد يعيد إنتاج النموذج نفسه بأسماء مختلفة.
وتبدو إعادة العمل أقرب إلى نموذج "غب الطلب" بحكم الأمر الواقع، مع متعهدين محدودي الصلاحيات وإدارة مركزية تعاني نقاط ضعف مزمنة، بما قد يؤدي إلى ارتفاع الهدر مجددا، ويفقد الاستثمارات في الإنتاج أو الغاز أو إنشاء معامل جديدة قيمتها الاقتصادية.
المشكلة لا تقتصر على الإطار التعاقدي، بل تمس جوهر تجربة مقدمي الخدمات. فهذه الشركات لم تكن مكلّفة إعادة بناء القطاع من الصفر، بل بضمان استمرار قطاع التوزيع وتحسين أدائه. قبل الأزمة تحقق تقدم مهم، إذ تراجع الهدر من نحو 50% عام 2012 إلى ما بين 20 و25% في السنوات اللاحقة. أما بعد الأزمة، فكان الإنجاز الأبرز المحافظة على بقاء القطاع واستمراريته في ظروف مالية وإدارية بالغة الصعوبة.
ومع ذلك، فإن الركيزة الأساسية لخفض الهدر لم تتحقق بالكامل، وهي إزالة التعديات وقطع التيار عن المشتركين غير الملتزمين الدفع. فالصلاحيات اللازمة لم تعطَ للشركات بالشكل الكافي. صلاحية فك المخالفات وتغريم المرتكبين بقيت بيد مؤسسة الكهرباء استنادا إلى اعتبارات قانونية وتنظيمية. مثلا، في إحدى المناطق، كشف أكثر من 50 ألف تعد، فيما لم تتجاوز نسبة الإزالة 5% إلى 10%، لأن الجهة المعنية تملك حق الكشف من دون حق الإزالة.
السبب الثاني تمثل في آلية قطع التيار عن المتخلفين عن الدفع. فالإجراءات تنص على توجيه إنذارات متتالية، وصولا إلى مرحلة يفترض أن تتوافر فيها صلاحية القطع. إلا أن العقود الحالية تفرض رفع تقارير بأسماء المتخلفين إلى مؤسسة الكهرباء، التي تجيز قطع عدد محدود فقط، ويبقى العدد الأكبر بلا إجراء.
تجربة 12 سنة في هذا القطاع أثبتت أن المشكلات ليست مستعصية متى توافر تعاون فعلي بين القطاع الخاص والقوى الأمنية والقضاء، إضافة إلى المخاتير ورؤساء البلديات والفاعليات المحلية، وتاليا عندما تمنح الصلاحيات وتربط بحوافز مناسبة، يستطيع القطاع الخاص خفض الهدر خلال فترة وجيزة. تجربة كهرباء زحلة مثال واضح، حيث أعطيت الجهة المشغلة صلاحيات النزع والقطع، فانخفض الهدر إلى مستوى شبه معدوم.
المطلوب ليس معادلة سحرية، بل إجراء بسيط قوامه منح صلاحيات صريحة في النزع والقطع مقرونة بحوافز مالية مناسبة.
نبض