موائد رمضان في العالم العربي: أين تذهب الفضلات؟
مع حلول شهر رمضان، تتجدد في العالم العربي مشاهد الكرم والتكافل عبر موائد الإفطار الجماعية والمبادرات الخيرية التي تستهدف دعم الفئات الأكثر حاجة، في تقليد اجتماعي راسخ يعكس روح الشهر وقيمه الإنسانية.
إلا أن هذا الحضور الواسع للموائد يقابله تحدٍ متنامٍ يتمثل في حجم الفضلات الغذائية الناتجة منها، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير فائض الطعام، وكفاءة آليات إدارته، ومدى تأثر معدلات الإهدار بالمتغيرات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
حجم الإهدار الغذائي
تعكس الإحصاءات والتقديرات الدولية حجم هذا التحدي، إذ يشير تقرير مؤشر "إهدار الغذاء" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم يهدر نحو 931 مليون طن من الغذاء سنوياً، تتحمل الأسر مسؤولية 61% من هذا الإهدار، تليها الخدمات الغذائية بنسبة 26% وصناعة البيع بالتجزئة بنسبة 13%.
كذلك تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن متوسط الإهدار الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى نحو 250 كيلوغراماً للفرد، بما يعادل أكثر من 60 مليار دولار أميركي سنوياً.
وخلال شهر رمضان تحديداً، تتصاعد معدلات الاستهلاك في المنطقة نتيجة العادات المرتبطة بتنظيم الموائد وتنوع الأطباق المقدمة، ما يؤدي إلى تكوّن كميات كبيرة من بقايا الطعام تتطلب آليات إدارة فعالة لتقليل الإهدار.
.jpg)
تحدٍ حقيقيّ
يشكل هذا الفائض تحدياً حقيقياً يتعلق بمصير الفضلات الغذائية وسبل إدارتها بكفاءة، خصوصاً في ظل توالي الأزمات الاقتصادية وانعكاساتها المباشرة على اقتصادات الدول العربية.
ففي الفترات السابقة، كان التخلص المباشر من الطعام في القمامة هو السيناريو الأكثر شيوعاً مع غياب آليات تنظيمية فعالة.
أما في الفترات الأخيرة، ومع تزايد الأزمات الاقتصادية، فبدأت غالبية الدول بزيادة التوعية حول الإهدار الغذائي، مما أدى إلى توجيه جزء من فائض الطعام نحو مسارين رئيسيين: الأول إعادة توزيع الطعام الصالح للاستهلاك عبر الجمعيات الخيرية وبنوك الطعام، والثاني تحويل بعض المخلفات إلى أعلاف أو سماد عضوي ضمن مبادرات بيئية محدودة.
وتجسيداً لهذه المسارات على أرض الواقع، برزت في عدد من الدول العربية مؤسسات متخصصة في إدارة فائض الطعام، تعتمد آليات فرز سريعة لضمان سلامة الأغذية قبل إعادة توزيعها على الأسر المحتاجة، كما بدأت الحكومات والمؤسسات الأهلية بإطلاق حملات توعية لتقليل الإهدار، تشمل تشجيع إعداد كميات مناسبة للاستهلاك، وإعادة توزيع الفائض.
الضغوط الاقتصادية وتقليص الإهدار
وفي تعليق خاص لـ"النهار"، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن موائد رمضان تُعد من السمات المنتشرة في العديد من الدول العربية، بل يعتبرها البعض جزءاً أساسياً من شهر رمضان، إلا أن الأزمات الاقتصادية المستمرة أدت إلى تراجع عددها مقارنة بالماضي بسبب ارتفاع أسعار الطعام.
وتوضح أن الإهدار كان كبيراً في السابق، سواء عبر إلقاء الفضلات في القمامة أو السماح لرواد الموائد بأخذ كميات فائضة، لكن مع توالي الأزمات وارتفاع الأسعار أصبح الإهدار أقل نسبياً، في ظل حرص منظمي الموائد على إعداد كميات أقرب إلى الطلب الفعلي.
وتضيف أن هناك مؤسسات في الدول العربية تعمل على إعادة توجيه الفضلات عبر فصل الطعام الصالح وتوصيله للأفراد الأكثر حاجة، مشيرة إلى أن حجم الإهدار يختلف من دولة الى أخرى وفق الظروف الاقتصادية ومستوى التنظيم، وفي حال وجود بقايا طعام يتم غالباً التنسيق مع جمعيات خيرية للاستفادة منها.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والبيئية المتزايدة، يبقى تقليل إهدار الطعام خلال رمضان مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات، بما يضمن استمرار روح التكافل من دون استنزاف الموارد.
نبض