سندات الاستدامة في الشرق الأوسط: من هامش الأسواق إلى قلب التحول الاقتصادي في 2026
تشهد سوق التمويل المستدام في الشرق الأوسط تحوّلاً نوعياً يضعها في قلب التحولات الاقتصادية والبيئية التي تعيشها المنطقة. فالتوقعات بأن تتراوح إصدارات السندات المستدامة بين 20 و25 مليار دولار في عام 2026 تعكس مساراً تصاعدياً واضحاً، رغم الاضطرابات التجارية العالمية وتقلّبات الأسواق الدولية. وهذا الأداء لا تمكن قراءته كرقم مالي فحسب، بل كمؤشر إلى إعادة تموضع استراتيجي لاقتصادات المنطقة ضمن خريطة التمويل الأخضر عالمياً.
دور ستاندرد آند بورز غلوبال في قراءة المشهد
التقديرات الصادرة عن وكالة التصنيف الائتماني العالمية تعكس ثقة متزايدة بقدرة أسواق الشرق الأوسط على استقطاب رؤوس الأموال الموجهة نحو مشاريع الاستدامة. اللافت أن نمو الإصدارات المستدامة إقليمياً جاء في وقت شهد فيه العالم تراجعاً ملحوظاً في هذا النوع من السندات، ما يشير إلى خصوصية التجربة الخليجية وتماسك الطلب المحلي والدولي على هذه الأدوات.
بالتوازي، ارتفعت إصدارات السندات التقليدية للشركات والمؤسسات المالية في المنطقة خلال 2025 بنسب لافتة، متجاوزة 80 مليار دولار، ما يدل على عمق سوق الدين الإقليمية واتساع قاعدة المستثمرين. إلا أن الأهمية تكمن في أن التمويل المستدام لم يعد هامشياً، بل بات يشكّل شريحة متنامية ضمن هيكل سوق الدين.
الخليج يقود التحول… وتركيا في مسار مختلف
تظهر المعطيات أن دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما السعودية والإمارات العربية المتحدة، أصبحت المحرك الأساسي لسوق السندات المستدامة في المنطقة. فقد استحوذ البلدان مع تركيا على أكثر من 90% من الإصدارات الإقليمية، بينما شكّلت السعودية والإمارات وحدهما قرابة 80% من القيمة الإجمالية في 2025.
في المقابل، شهدت تركيا تراجعاً واضحاً في إصدارات السندات المستدامة، مع انتقال النشاط بشكل أكبر إلى سوق القروض المرتبطة بالاستدامة. ويعكس هذا التباين اختلافاً في هيكل التمويل وأولويات السياسة الاقتصادية، فضلاً عن تأثيرات البيئة النقدية والمالية المحلية.

الصكوك المستدامة… ميزة تنافسية إقليمية
من أبرز ملامح السوق الإقليمية صعود الصكوك المستدامة التي سجلت مستويات قياسية خلال 2025 متجاوزة 11 مليار دولار، مقارنة بأقل من 8 مليارات في العام السابق. وشكّلت هذه الصكوك نحو نصف الإصدارات المستدامة في المنطقة تقريباً.
هذا التطور يعكس قدرة أسواق الخليج على دمج أدوات التمويل الإسلامي مع معايير الاستدامة العالمية، ما يمنحها ميزة تنافسية مزدوجة: جذب المستثمرين المهتمين بالتمويل الأخلاقي، واستقطاب الصناديق العالمية التي تضع معايير ESG ضمن أولوياتها الاستثمارية.
أين تُوظَّف الأموال؟
تتجه عائدات السندات المستدامة بصورة أساسية إلى قطاعات:
- الطاقة المتجددة.
- تحسين كفاءة الطاقة.
- المباني منخفضة الانبعاثات.
- إدارة الموارد المائية.
- النقل النظيف.
ولا يبدو مستغرباً أن تهيمن المشاريع الخضراء على الحصة الأكبر من الإصدارات، في ظل التزامات دول الخليج بخفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني خلال العقود المقبلة.
أدوات جديدة: السندات الانتقالية والزرقاء
من المتوقع أن تشهد المنطقة نمواً في أدوات دين حديثة مثل السندات الانتقالية، المخصصة لتمويل التحول التدريجي للقطاعات كثيفة الانبعاثات، وكذلك السندات الزرقاء المرتبطة بالمشاريع البحرية وإدارة المياه. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة نظراً إلى اعتماد اقتصادات الشرق الأوسط على النفط والغاز، إضافة إلى التحديات الحادة المرتبطة بندرة المياه.
كما أن تطور الأطر التنظيمية المحلية يعزز الثقة في هذه الأدوات، ويحدّ من مخاطر "الغسل الأخضر" عبر معايير إفصاح أكثر صرامة.
فجوة تمويل لا تزال قائمة
رغم النمو الملحوظ، تبقى مستويات التمويل المستدام دون الحاجة الفعلية للمنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بمشاريع التكيّف مع تغير المناخ وتعزيز المرونة في البنية التحتية. وهنا يبرز دور التمويل الخاص والتمويل المختلط (الذي يجمع بين القطاعين العام والخاص) لسد فجوة التمويل.
من منظور اقتصادي، يقول الخبير الاقتصادي د. بلال علامة لـ"النهار" إن "سوق السندات المستدامة في الشرق الأوسط دخلت مرحلة "الترسيخ المؤسسي" لا "التجربة". فالدول الخليجية لم تعد تستخدم هذه الأدوات لأغراض رمزية أو تسويقية، بل باتت جزءاً من استراتيجية تنويع اقتصادي أوسع، مرتبطة برؤى وطنية طويلة الأمد".
غير أن التحدي الحقيقي، برأي علامة، يكمن في ثلاثة عناصر: "توسيع قاعدة المُصدرين لتشمل شركات متوسطة الحجم، وتعميق السوق الثانوية لتعزيز السيولة، بالإضافة إلى ضمان اتساق المعايير مع الأطر الدولية لتفادي تباين التصنيفات".
"إذا نجحت المنطقة في معالجة هذه النقاط، فقد تتحول من سوق ناشئة في التمويل المستدام إلى مركز إقليمي وعالمي لهذا النوع من الأدوات، خصوصاً مع استمرار الزخم في السعودية والإمارات، وعودة تركيا إلى مسار النمو عند استقرار بيئتها الاقتصادية"، بحسب علامة.
في الخلاصة، الأرقام المتوقعة لعام 2026 ليست مجرد توقعات مالية، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فلسفة التمويل في الشرق الأوسط: من اقتصاد يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يسعى إلى تمويل انتقاله البيئي عبر أدوات دين حديثة، أكثر شفافية وربطاً بالأثر التنموي.
نبض