"اقتصاد الليل" في رمضان: كيف تعيد المدن العربية ضبط ساعتها الاقتصادية بعد الإفطار

اقتصاد وأعمال 20-02-2026 | 06:10

"اقتصاد الليل" في رمضان: كيف تعيد المدن العربية ضبط ساعتها الاقتصادية بعد الإفطار

بين الإفطار والسحور، تبدأ دورة اقتصادية كاملة، تتحول فيها المدن إلى فضاءات استهلاك نابضة، ويصبح الليل موسماً قائماً بذاته في الاقتصاد العربي.
"اقتصاد الليل" في رمضان: كيف تعيد المدن العربية ضبط ساعتها الاقتصادية بعد الإفطار
تنقلب الحياة في رمضان من النهار إلى الليلي.
Smaller Bigger

في رمضان، لا يتغير حجم الاستهلاك فحسب، بل يتغير توقيته أيضاً. النهار يصبح أبطأ نسبياً، بينما تتحول الفترة الممتدة من الإفطار حتى السحور إلى قلب النشاط الاقتصادي. هنا يظهر ما يسميه خبراء الأسواق "اقتصاد الليل": دورة كاملة من المطاعم والمقاهي ومتاجر الحلويات، إلى مراكز التسوق والأسواق الشعبية وخدمات التوصيل والتجارة الرقمية. وفي الخليج تحديداً، لم يعد هذا النمط ظاهرة اجتماعية، بل بات اتجاهاً اقتصادياً قابلاً للقياس بالأرقام.

أوضح دليل على ذلك هي بيانات الدفع. بحسب تقرير اقتصادي أصدرته شركة "فيزا"، ترتفع حصة التعاملات التي تُجرَى بين "10 مساءً و4 فجراً" خلال شهر الصوم في شكل حاد في الخليج. في دولة الإمارات العربية المتحدة، ترتفع من 15.9% في الأشهر العادية إلى 26.9% خلال رمضان، وفي المملكة العربية السعودية من 17.6 إلى 35%، وفي دولة الكويت من 17.1 إلى 38.2%. هذه الأرقام لا تعكس زيادة في الإنفاق فحسب، بل كذلك انتقال "ساعة الذروة" من النهار إلى الليل، في تحول يُعيد رسم أنماط التشغيل في المطاعم والمتاجر والخدمات الرقمية.

في الإمارات، يأخذ اقتصاد الليل طابعاً منظماً. إلى جانب ارتفاع التعاملات الليلية، تشير تقديرات شركة "ريدسير للاستشارات الاستراتيجية" (Redseer Strategy Consultants) إلى أن إنفاق التجزئة المرتبط بشهر الصوم قد يصل إلى نحو 36,7 مليار درهم إماراتي (10 مليارات دولار)، مدفوعاً بتمديد ساعات عمل المراكز التجارية، وازدياد نشاط قطاع المطاعم، وتداخل الشهر مع المناسبات الترفيهية والتسوقية، ولاسيما في أبو ظبي ودبي اللتين تتحول كل منهما إلى مدينة تعمل بإيقاع ليلي شبه كامل.

أما السعودية فتقدم مثالاً واضحاً على اتساع الموسم الرمضاني حتى قبل بدايته. وفق أرقام رسمية، قفز إنفاق المستهلكين في الأسبوع السابق لشهر الصوم بنسبة 34.7% ليصل إلى 17,5 مليار ريال سعودي (4,6 مليارات دولار). وهذا يعني أن رمضان يبدأ اقتصادياً قبل حلوله فعلياً، مع استعداد الأسر عبر مشتريات غذائية ومنزلية واسعة، ليتحول هذا الشراء لاحقاً إلى حركة ليلية كثيفة في الأسواق.

لا تقتصر الظاهرة على الخليج، لكنها تظهر هناك في صورة أوضح بسبب توافر البيانات. تعتمد معظم دول الخليج أنظمة دفع رقمية واسعة الاستخدام، ما يتيح قياساً دقيقاً لحركة الإنفاق وتوقيته. أما في بقية الدول العربية، فتُقرَأ الظاهرة عبر مؤشرات السلوك الاستهلاكي ودراسات السوق أكثر من الأرقام المالية المباشرة، في ظل غياب قياسات رسمية لاقتصاد الليل.

في مصر، توثّق مؤسسة "إبسوس" أن 75% من المستهلكين يصبحون أكثر ميلاً للتسوق داخل المتاجر خلال شهر الصوم، في مقابل 47% يميلون أكثر إلى التسوق عبر الإنترنت. وفي الحالين، لا يلغي ميلٌ الميل الآخر بل يفوقه، في مقابل ازدياد واضح في البحث عن العروض المميزة. وأوردت صحيفة "الأهرام" أن استخدام تطبيقات ومواقع التسوق ارتفع بنحو 47% خلال رمضان في إحدى السنوات الأخيرة، ما يعكس انتقال جزء من النشاط الاستهلاكي إلى ساعات المساء وما بعدها.

في الأردن، تشير "إبسوس" إلى أن نحو ثمانية من كل 10 مستهلكين يفضلون التسوق داخل المتاجر خلال شهر الصوم، وأن الإعلانات تؤثر بوضوح في قرارات الشراء، وهذا يفسر النشاط الليلي للمراكز التجارية بعد الإفطار. أما في المغرب، فتبيّن دراسات مؤسسة "تي جي إم للبحوث" أن 92% من المستهلكين يضعون عامل السعر في صدارة القرار الشرائي خلال رمضان، وسرعة التوصيل تصبح عاملاً حاسماً، ما يعزز الطلب في ساعات المساء ويزيد اعتماد الأسر على خدمات التوصيل.

هذه المؤشرات تكشف أن اقتصاد الليل في شهر الصوم ليس ظاهرة خليجية فقط، بل نمطاً عربياً عاماً، وإن كان أكثر وضوحاً في دول الخليج بسبب توافر البيانات والبنية الرقمية. فالمطاعم والأسواق الشعبية في القاهرة والدار البيضاء وعمّان وغيرها تنشط بعد الإفطار، وتتحول السهرات الاجتماعية إلى محرك اقتصادي يحمل أثراً كبيراً مباشراً.

لكن، لهذا التحول تكلفته أيضاً. تمديد ساعات العمل يعني استهلاكاً أعلى للطاقة، وزيادة الطلب على العمالة الليلية والنقل، وضغطاً إضافياً على البنية التحتية والخدمات البلدية. لذلك، لا يرتبط نجاح اقتصاد الليل فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرة المدن على تنظيمه واستيعابه.

في المحصلة، لا يعيد رمضان توزيع الإنفاق فقط، بل يعيد أيضاً ترتيب "الوقت الاقتصادي". ينفق المستهلك العربي متأخراً، ويتسوق متأخراً، ويتخذ قراراته الشرائية ليلاً. ومن يفهم هذه "الساعة الجديدة" للسوق يستطيع أن يكسب. بين الإفطار والسحور، تبدأ دورة اقتصادية كاملة، تتحول فيها المدن إلى فضاءات استهلاك نابضة، ويصبح الليل موسماً قائماً بذاته في الاقتصاد العربي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/18/2026 10:44:00 PM
ديكارلو: إننا نشهد ضمّاً تدريجياً بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، حيث تُغيّر الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب المشهد تدريجياً
المشرق-العربي 2/19/2026 1:11:00 PM
أهمية هذا التحول لا تقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وثقافية واجتماعية واسعة.
شمال إفريقيا 2/19/2026 6:01:00 AM
مشاركة صدام حفتر في مؤتمر ميونخ للأمن تُكرّس واقعاً جديداً.