من هم دائنو أميركا؟

اقتصاد وأعمال 18-02-2026 | 07:57

من هم دائنو أميركا؟

يتخطى الدين الأميركي كونه مجرد رقم في دفاتر وزارة الخزانة، إذ يُعد مرآة تعكس توازنات النظام المالي العالمي. ففي النظام الاقتصادي المعاصر، لا يُقاس النفوذ بالقوة العسكرية وحدها، بل بآليات المال والديون.
من هم دائنو أميركا؟
الكونغرس. (ارشيف)
Smaller Bigger

مهى كنج

 

في عام 2025، تجاوزت مديونية الولايات المتحدة نحو 38.4 تريليون دولار. وبحسب مؤسسة بيتر جي بيترسون، يترتب على كل أميركي نحو 113 ألف دولار لسداد هذه الديون.

يتخطى الدين الأميركي كونه مجرد رقم في دفاتر وزارة الخزانة، إذ يُعد مرآة تعكس توازنات النظام المالي العالمي. ففي النظام الاقتصادي المعاصر، لا يُقاس النفوذ بالقوة العسكرية وحدها، بل بآليات المال والديون. 

تراكم العجز وكلفة الفوائد المتصاعدة
تلجأ الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة إلى الاقتراض عندما تعجز الإيرادات الفيدرالية عن تمويل إنفاقها واستثماراتها. يتراكم العجز في الموازنات السنوية ليُشكّل ما يعرف بالدين الفيدرالي. وعندما تضيق الخيارات، تطرح الحكومة سندات الخزانة والأوراق المالية المختلفة في الأسواق مستقطبةً مستثمرين من داخل البلاد وخارجها. ويتيح هذا التمويل للحكومة الاستمرار في برامجها الاجتماعية وخدماتها العامة بما يضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة.

غير أنّ الاقتراض لا يخلو من تبعات، فكما يتحمّل الأفراد فوائد على قروضهم الشخصية وبطاقاتهم الائتمانية وقروضهم السكنية، تدفع الحكومة بدورها فوائد على ديونها. وهذه الفوائد تتأثر بحجم الدين القائم وبمستويات أسعار الفائدة في الأسواق، ما يجعلها عرضة للارتفاع كلما اتسعت دائرة الاقتراض أو صعدت كلفة التمويل.

الحصة الأكبر من الدين العام مملوكة لجهات داخل الولايات المتحدة، من مستثمرين أفراد وصناديق تقاعد ومؤسسات مالية وشركات تأمين، إضافة إلى الاحتياطي الفيدرالي وهيئات حكومية تستثمر فوائضها في سندات الخزانة، ما يجعل الدين في جزء كبير منه التزاماً داخلياً ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية.

وإن كان الجزء الأكبر من الدين الأميركي مملوكاً داخلياً، فإلى أي حد يشكل الدين الخارجي عامل ضغط جيوسياسي على الولايات المتحدة؟

يقول الباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين لـ"النهار": "إن كان الجزء الأكبر من الدين الأميركي مملوكاً داخلياً، فالسؤال الحقيقي ليس حجم الدين الخارجي، بل قدرة الدائنين على استخدامه ورقة ضغط".

خريطة دائني أميركا
تُظهر البيانات الصادرة عن الخزانة الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 أبرز الدول الدائنة للولايات المتحدة الأميركية، إذ تستحوذ أكبر 10 دول على مئات المليارات من الدولارات من سندات الخزانة ضمن ما يُعرف بحوزة الدولار العالمية، أي حجم الأصول من كمّية الدولار التي يمتلكها أو يحتفظ بها طرف معيّن داخل الاقتصاد.

حافظت اليابان على مكانتها كأكبر مالك أجنبي  لسندات الخزانة التابعة للولايات المتحدة، والبالغة نحو 1,202 تريليون دولار في تشرين الثاني/نوفمبر وهو أعلى مستوى تسجله منذ تموز/ يوليو 2022 حينما وصلت إلى نحو 1,231 تريليون دولار، ما يظهر مدى ثقة اليابان بالدين الأميركي، وخاصة أن استثماراتها في هذه السندات سجلت نمواً متواصلاً على مدى 11 شهراً.

ورفعت بريطانيا، الثانية بين أكبر المستثمرين في سندات الخزانة الأميركية، ديونها لتصل إلى 888,5 مليار دولار.

 

مقر الخزانة الأميركية. (أ ف ب)
مقر الخزانة الأميركية. (أ ف ب)

 

أما الصين التي كانت يوماً ما من أكبر دائني أميركا، فقد خفضت استثماراتها في سندات الخزانة الأميركية إلى نحو 682,6 مليار دولار في تشرين الثاني الماضي، وهذا أدنى مستوى منذ أيلول/ سبتمبر 2008، عندما تراجعت نحو 618 مليار دولار. ورغم أن الصين تحتل المركز الثالث في سلم حائزي السندات الأميركية، تظهر أرقامها تراجعاً بأكثر من 10% منذ مطلع 2025، وهذا يظهر توجهها إلى تقليص المخاطر المالية التي قد تتعرض لتقلبات أسعار الفائدة أو تذبذب الدولار، أو خوفاً من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير المتوقعة. تأتي بعدها بلجيكا بنحو 481 مليار دولار، وكندا بنحو 472,2 مليار دولار، وجزر كايمان بنحو 427 مليار دولار، ولوكسمبورغ بنحو 426 مليار دولار، وفرنسا بنحو 376 مليار دولار، وإيرلندا بنحو 340 مليار دولار، وتايوان بنحو 313 مليار دولار.

تُظهر هذه الأرقام كيف تستثمر دول العالم مواردها في السندات الأميركية كأحد أهم الأصول الآمنة، ما يعكس الثقة العالمية بالدولار الأميركي كعملة احتياطية رئيسية. ويشير ناصر الدين إلى أن الدول الكبرى كالصين واليابان "تستطيع بيع جزء من حيازاتها من سندات الخزينة الأميركية، لكن عملياً، هذا الخيار مكلف لها بقدر ما هو مزعج لواشنطن، لأن أي بيع واسع سيخفض قيمة ما بقي لديها من أصول، ويضغط على عملاتها وصادراتها".

وبحسبه، عمق السوق الأميركية، وقدرة الاحتياطي الفيدرالي على التدخل، يجعلان من "سلاح السندات" أداة محدودة الفعالية جيوسياسياً.

تخارج ورهانات
من جهة أخرى، تكشف بيانات أكبر متخارجين من الديون الأميركية خلال عام واحد أن أكبر انخفاض كان في البرازيل بنسبة 27%، تلتها الهند بانخفاض نسبته 20%، ثم الصين بنسبة 11%، في مؤشر إلى إعادة تموضع استراتيجي في إدارة الاحتياطات وتقليص التعرّض للأصول المقّومة بالدولار.

في المقابل، أظهرت البيانات اتجاهاً معاكساً لدى عدد من الدول التي عززت مراكزها في السندات الأميركية خلال السنة نفسها. تصدّرت النرويج القائمة بزيادة بنسبة 35%، تلتها بلجيكا بنسبة 33%، ورفعت كندا حيازاتها بنسبة 27% لتصل إلى مستوى قياسي في تشرين الثاني مسجلة أكبر عمليات شراء للسندات الأميركية. ويعكس هذا الشراء توجّهاً استثمارياً باتجاه الأصول الأميركية التي تُعد ملاذاً مالياً مستقراً نسبياً في ظل تقلبات الأسواق العالمية. 

وفقاً لناصر الدين، ما نشهده اليوم من تخارج بعض الدول وزيادة مشتريات دول أخرى، هو أقرب إلى إعادة تموضع استثماري وتنويع احتياطات، لا إلى تحوّل جذري في خريطة الثقة العالمية بالدولار حتى الآن. فالدولار لا يستمد قوته فقط من السياسة، بل من البنية المؤسسية، وسيولة السوق، وغياب البديل إلى يومنا الحالي، وبالتالي نحن أمام تعددية احتياطية تدريجية، ولا نهاية وشيكة لهيمنة العملة الأميركية أقله في السنوات المقبلة.

في المحصّلة، يعكس التوازن بين المتخارجين والمشترين الدينامية المستمرة في سوق السندات الأميركية. ويبقى تتبع حركة الديون وحوزة الدولار بين الدول مؤشراً مهماً لفهم توجهات الاستثمارات الدولية ومدى تأثيرها على الاستقرار المالي العالمي. والولايات المتحدة تبقى على رأس الاقتصاد العالمي، والدولار يبقى عملة الاحتياط العالمي، وما سياستها المجنونة إلا عملية تجديد لنظامها.

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/21/2026 11:56:00 PM
غراهام: على ترامب المضي ضد إيران والتراجع سيكون كارثة… والمنطقة على أعتاب تغيير تاريخي
العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.