اقتصاديات الخير: الزكاة والصدقات كشبكة أمان اجتماعي
مع حلول شهر رمضان، لا يرتفع فقط منسوب الروحانية في العالم العربي، بل تنشط أيضاً حركة مالية واجتماعية يمكن وصفها بـ"اقتصاد الخير". الزكاة والصدقات والتبرعات التي تتدفق خلال هذا الشهر لا تمثل مجرد ممارسة دينية موسمية، بل تشكل شبكة أمان اجتماعي فعلية تُعيد توزيع جزء من الثروة داخل المجتمعات، وتخفف الضغوط المعيشية عن الفئات الأكثر هشاشة. وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز هذا الاقتصاد غير الرسمي كعنصر توازن مهم في معادلة الاستقرار الاجتماعي.
الزكاة، في جوهرها، آلية لإعادة توزيع الدخل، تنقل نسبة من الثروة من القادرين إلى المحتاجين، وتضخ سيولة مباشرة في الاقتصاد المحلي. وخلال رمضان، تتضاعف حملات التبرع، وتزداد المبادرات الفردية والمؤسسية، وتتحول المساجد والجمعيات والمنصات الرقمية إلى قنوات فاعلة لجمع الموارد وتوجيهها. هذه التدفقات غالباً ما تذهب إلى تغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وتعليم وعلاج، وهو ما يجعل أثرها ملموساً وسريعاً في حياة المستفيدين.
وتؤكد البيانات الحديثة اتساع هذا الدور. فبحسب تقرير World Giving Report 2025، سجلت دول عربية مثل مصر وقطر والإمارات مستويات متقدمة في مؤشرات العطاء الخيري على مستوى العالم، مع نسب تبرع ومساعدة مباشرة للمحتاجين تفوق المتوسط العالمي خلال عامي 2023 و2024. ويقيس التقرير سلوك العطاء من خلال معدلات التبرع المالي، ومساعدة الغرباء، والمشاركة في العمل التطوعي، ما يعكس حضوراً مجتمعياً لافتاً في ثقافة التكافل. هذا التقدم لا يعبر فقط عن سخاء فردي، بل يكشف عن قدرة المجتمعات العربية على تعبئة موارد أهلية واسعة خارج الأطر الحكومية التقليدية، خصوصاً في مواسم ذات بعد ديني واجتماعي مثل شهر رمضان.
غير أن قوة هذا الاقتصاد الموازي تطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول مدى تنظيمه واستدامته. فمعظم أموال الزكاة والصدقات تظل موجهة نحو الإغاثة الفورية والاستهلاك قصير الأجل، وهذا أمر ضروري في أوقات الأزمات، لكنه لا يعالج جذور الفقر أو البطالة. كما أن غياب قواعد بيانات إقليمية موحدة أو تقارير إفصاح منتظمة في بعض السياقات قد يحد من القدرة على قياس الأثر الحقيقي لهذه التدفقات أو توجيهها بكفاءة أعلى.

اقتصادياً، تمثل الزكاة مورداً مالياً مرناً وسريع الحركة، ينعكس أثره على الطلب المحلي وعلى تنشيط قطاعات صغيرة ومتوسطة، خصوصاً في المواسم التي يرتفع فيها الإنفاق. لكنها تظل، في معظم الحالات، خارج التخطيط الاقتصادي الرسمي، ما يخلق فجوة بين الجهد المجتمعي والسياسات العامة. وإذا أُعيد تصور هذا الاقتصاد ضمن إطار مؤسسي أكثر تكاملاً، يمكن أن يتحول من استجابة موسمية إلى رافعة تنموية مستدامة.
بعض التجارب العربية بدأت بالفعل في تطوير نماذج أكثر احترافية لإدارة أموال الزكاة، من خلال صناديق وقفية استثمارية أو برامج تمكين اقتصادي تدعم التدريب والمشاريع الصغيرة. هذه المقاربات تعكس فهماً متقدماً لدور العطاء، باعتباره أداة تمكين لا مجرد إعانة. وعندما يُخصص جزء من هذه الموارد لخلق فرص عمل أو دعم الإنتاج المحلي، يتغير أثرها من معالجة آنية إلى تأثير طويل الأمد في بنية الاقتصاد.
رمضان يذكّر بالأخلاق أولاً، لكنه يكشف أيضاً عن الفرص الكامنة في التنسيق المنظم بين المجتمع والدولة. عندما تتحول الزكاة من رد فعل فردي طيب إلى سياسة اجتماعية ممنهجة، تصبح قوة اقتصادية قادرة على دعم التماسك الاجتماعي والتخفيف من أوجه عدم المساواة. وفي عالم يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية، يكون اقتصاد الخير في العالم العربي أكثر من تقليد رمضاني جميل، بل جزءاً من منظومة حماية اجتماعية يمكن أن تسهم في الاستقرار الاقتصادي والصمود المجتمعي.
نبض