تقدم طفيف للبنان في مؤشر "لا فساد"... مطر لـ"النهار": فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته

اقتصاد وأعمال 10-02-2026 | 11:56

تقدم طفيف للبنان في مؤشر "لا فساد"... مطر لـ"النهار": فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته

نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 تظهر أن الفساد لا يزال متفشياً على نطاق واسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تقدم طفيف للبنان في مؤشر "لا فساد"... مطر لـ"النهار": فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته
تعبيرية. (فريبيك)
Smaller Bigger

يشكل الفساد في لبنان أحد أكثر العوامل تأثيراً في مسار الدولة واستقرارها الاقتصادي والسياسي، بعدما تحول من ظاهرة إدارية قابلة للمعالجة إلى بنية مترسخة تداخلت مع مفاصل الحكم والإدارة. هذا الواقع لم يعد ينعكس فقط على ثقة المواطنين بمؤسساتهم، بل بات عاملاً حاسماً في موقع البلاد إقليمياً ودولياً، وفي قدرتها على جذب الاستثمارات والحصول على الدعم المالي. 

أمام هذا الواقع يكتسب مؤشر مدركات الفساد أهمية خاصة بوصفه مرآة تعكس صورة لبنان في الخارج وتكشف مدى جدية مسار الإصلاح الداخلي. فقد أعلنت جمعية الشفافية الدولية – لبنان "لا فساد" نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، والتي سجل فيها لبنان 23 نقطة من أصل 100 محتلاً المرتبة 153 من بين 182 دولة. ورغم أن هذه النتيجة تمثل تقدماً طفيفاً مقارنة بعام 2024 حين نال 22 نقطة، إلا أن هذا التحسن يبقى محدود الأثر ولا يغيّر في موقعه المتأخر عالمياً.

مراجعة أداء لبنان خلال السنوات العشر الماضية تظهر حالة من التأرجح المستمر في التصنيف، ما يعكس غياب مسار إصلاحي ثابت ومستدام، ويؤكد أن أي تحسن تحقق كان مرتبطاً بظروف مرحلية أكثر منه نتيجة إصلاحات بنيوية راسخة.

الفارق الكبير بين لبنان وعدد من دول المنطقة يوضح حجم التحدي. فقد سجلت الإمارات العربية المتحدة 69 نقطة، وقطر 58 نقطة، والمملكة العربية السعودية 57 نقطة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في فعالية السياسات العامة وفي قدرة المؤسسات على فرض معايير الشفافية والمساءلة. هذا التفاوت لا يقتصر على ترتيب رقمي، بل يترجم عملياً في القدرة على جذب الاستثمارات وتأمين التمويل الدولي، بحيث باتت المساعدات والقروض الخارجية مرتبطة بشكل مباشر بمدى جدية الإصلاحات ومكافحة الفساد. وبالنسبة إلى لبنان، تحولت مكافحة الفساد من خيار سيادي يمكن تأجيله إلى شرط أساسي لبقاء الدولة ضمن المنظومتين الإقليمية والدولية.

ورغم تسجيل تحسن طفيف في بعض المؤشرات، يبقى هذا التقدم هشاً في ظل ضعف المساءلة، وتعثر المؤسسات، واستمرار التدخلات الخارجية التي تقوض الاستقرار وتضعف سلطة الدولة. فالإصلاحات تحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة كي تتحول إلى نتائج ملموسة، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كامل.

في المقابل، يؤكد رئيس جمعية الشفافية الدولية – لبنان "لا فساد" محمد فريد مطر لـ"النهار" أن لبنان يملك فرصة حقيقية لإعادة بناء مؤسساته الرقابية والقضائية على أسس أكثر استقلالية وكفاية، خصوصاً مع تزايد الدعم الشعبي والدولي لتفعيل دور هذه المؤسسات وتحصينها ضد التدخلات السياسية. ويعكس هذا التقدير وجود إدراك متنام أن مكافحة الفساد لم تعد مطلباً إصلاحياً فحسب، بل شرط لإعادة تكوين الدولة ومؤسساتها.

 

فساد. (أ ف ب)
فساد. (أ ف ب)

 

المدير التنفيذي للجمعية جوليان كورسون يعتبر أن التقدم المحدود الذي تحقق جاء في مرحلة سياسية دقيقة أعقبت انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة أعلنت الإصلاح أولوية لإعادة بناء الثقة وتحديث منظومة الحوكمة بعد سنوات من الفساد الممنهج. وقد أطلقت الحكومة اللبنانية عام 2025 مشروعاً شاملاً للإصلاح يرتكز على تعزيز الشفافية وتفعيل القوانين الأساسية لمكافحة الفساد، ومن أبرزها قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح، ومعاقبة الإثراء غير المشروع، وقانون الشراء العام، وحماية كاشفي الفساد. كما شمل هذا المسار اعتماد آليات أكثر شفافية في التعيينات داخل القطاع العام قائمة على الكفاءة بدل المحاصصة.

بيد أن هذا المسار يبقى مهدداً في ظل هشاشة الاستقرار الأمني، ما قد يعرقل تنفيذ هذه الإصلاحات إذا لم تتحول إلى سياسات متكاملة ومستدامة. وفي هذا الإطار، تشكل الانتخابات النيابية في موعدها محطة أساسية لترسيخ المسار الديموقراطي وتعزيز الشفافية، باعتبارها اختباراً حقيقياً لإرادة الدولة في كسر الحلقة المزمنة من الفساد المستشري.

لبنان ليس حالة معزولة ضمن محيطه الإقليمي. نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 تظهر أن الفساد لا يزال متفشياً على نطاق واسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمنذ عام 2012، شهدت ثلاث دول من أصل 18 تراجعاً حاداً في أدائها، فيما لم يحقق أي بلد تقدماً ملحوظاً، ما يعكس إخفاقاً مستمراً في التصدي لفساد القطاع العام نتيجة تقاعس القيادات السياسية وضعف مؤسسات المساءلة. وحتى الدول التي حققت نقاطاً أعلى في المؤشر، مثل الإمارات وقطر والسعودية، تبقى إصلاحاتها مرتبطة باستمرار الإرادة السياسية، خصوصاً في الأنظمة غير الديموقراطية حيث تظل هذه الجهود عرضة للتراجع.

يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في هذا المشهد، إذ ساهم تضييق حيّزه في عدد من دول المنطقة في خلق بيئة مؤاتية لازدهار الممارسات الفاسدة، من خلال إضعاف دور الصحافة والمنظمات غير الحكومية والمبلغين عن المخالفات في كشف إساءة استخدام السلطة. ويبرز مثال المغرب، حيث أدى هذا الواقع إلى إضعاف التحقيقات في قضايا اختلاس وتفجرت احتجاجات قادها جيل الشباب. في المقابل، تعاني دول مثل سوريا وليبيا واليمن مستويات متدنية جداً على المؤشر نتيجة صراعات مستمرة أو حديثة، ما قوّض التزام حكوماتها مكافحة الفساد وجعل الحوكمة الرشيدة أولوية ثانوية في ظل التنافسات السياسية وشح الموارد.

في هذا المشهد المعقد، يبدو التقدم الطفيف الذي حققه لبنان إشارة إيجابية محدودة، لكنه لا يكفي ما لم يُترجم إلى إصلاحات عميقة تعزز استقلالية هيئات الرقابة، وتوسع مساحة عمل المجتمع المدني، وتؤمن مساءلة فعلية لأصحاب النفوذ. فالمعركة ضد الفساد لم تعد مسألة إدارية أو قانونية فحسب، بل مسار طويل لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واستعادة موقع لبنان في بيئة إقليمية ودولية باتت الشفافية فيها معياراً أساسياً للحكم على جدية الدول وقدرتها على النهوض.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/9/2026 2:08:00 AM
فيديو من البنتاغون يوثق جسماً غامضاً فوق سوريا… هل نحن أمام ظاهرة تتحدى الفيزياء؟
دوليات 2/9/2026 8:03:00 PM
محامي غيسلين ماكسويل يطلب العفو لموكلته مقابل"الرواية الكاملة" لإبستين ويؤكد براءة ترامب وكلينتون
ايران 2/9/2026 10:36:00 PM
قطع بث كلمة بزشكيان يثير جدلاً ويكشف توتراً مكتوماً مع إعلام يتبع للمرشد
سياسة 2/9/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الاثنين 9 شباط / فبراير 2026