بالفيديو والصور- الأفوكادو في عكار... انطلاقة واسعة نحو إنتاج زراعي واعد
خلافاً للتراجع الحاصل على صعيد مشاريع بساتين الحمضيات والكرمة في محافظة عكار، نمت على نطاق واسع في الأعوام الأخيرة، زراعة بساتين الأفوكادو، في تطور لم يأتِ مصادفة، بل تحقق نتيجة تلاقي عوامل طبيعية، اقتصادية، وتقنية، إضافة إلى جهود منظمة قادتها مؤسسات تنموية ومزارعون آمنوا بإمكانات هذه الزراعة الواعدة، على ما يقول المهندس الزراعي بكر نعيم.

هذه المنطقة الزراعية بامتياز تتهياً لنقلة نوعية مع تنامي الإشارات الجدية لإعادة تشغيل مطار الرئيس رنيه معوض في القليعات، والبحث جدياً في إعادة الروح الى تشغيل السكة الحديد على خط طرابلس - حمص وباقي المحافظات السورية، الأمر الذي من شأنه مع معاودة فتح المعابر الحدودية البرية شمالاً مع سوريا، في العريضة والعبودية وجسر قمار والتي دمرتها اسرائيل في عدوانها الأخير، فتح آفاق ومناخات جديدة مجدية لإحداث نمو زراعي واقتصادي ليس في عكار وحسب بل على صعيد الشمال ولبنان عموماً.

يوجز نعيم الأسباب التي دفعت الى توسع زراعة الأفوكادو، كالآتي:
-الملاءمة الطبيعية: إذ تتمتع عكار بتربة خصبة، موارد مائية متوافرة نسبياً، ومناخ معتدل ساحلي-جبلي يُعد الأنسب لزراعة الأفوكادو، وخصوصاً من حيث درجات الحرارة والرطوبة.
-الجدوى الاقتصادية: مقارنة بالعديد من الزراعات التقليدية، يؤمّن الأفوكادو عائداً إقتصادياً أعلى للمزارع عند إدارته بطريقة علمية صحيحة، مع تراجع ربحية بعض الزراعات التقليدية نتيجة ارتفاع الأكلاف، تقلب الأسعار، وضعف القدرة على التسويق، وفي ضوء ارتفاع الطلب المحلي والإقليمي عليه، سواء للاستهلاك الطازج أو للاستخدام الصناعي والغذائي.

ويشير الى "أن الأفوكادو لا يُطرح كبديل قسري من الزراعات التقليدية، بل كزراعة تكميلية استراتيجية من ضمن نظام تنويع زراعي ذكي. الهدف هو: تقليل المخاطر على المزارع، تحسين الدخل، واستثمار الموارد الطبيعية بطريقة أكثر استدامة".
و تُقدَّر المساحات المزروعة بالأفوكادو في عكار بأكثر من 2000 دونم، بإنتاج تقريبي يصل الى حدود 500 طن، علماً أن هذه المساحة عندما تدخل في مرحلة الانتاج الطبيعي قد تتعدى 4000 طن سنوياً باعتبار أن غالبيتها مزروعة بنظام الزراعة المكثفة ذات الانتاجية العالية بالدونم.
يذكر أن المساحة تزداد باستمرار إذ أن هناك ما لا يقل عن 150 الى 200 ألف شتلة معدّة للزراعة سنوياً، ويمكن أن تشهد هذه الزراعة تصاعداً أكثر في السنوات المقبلة إن تحسنت الأحوال الاقتصادية في البلاد، واستعاد النظام المصرفي عافيته ودخلت الدولة والحكومة على خط الدعم والتسهيل، لكونها زراعة مكلفة في مرحلة التأسيس.
ويوضح نعيم أن الإنتاج الحالي لا يزال دون مستوى تلبية الطلب المحلي كاملاً، ما يفسر استمرار الاستيراد في بعض المواسم. إلا أن الاتجاه العام يشير إلى أن عكار قادرة خلال مدة قصيرة على تغطية نسبة كبيرة من السوق المحلية، والتحول تدريجاً إلى مصدر منتظم للأسواق الخارجية، وهذا ما سيشكل حكماً دفعاً كبيراً لنمو هذه الزراعة الناشئة.
ويعتبر"أن أحد أهم عناصر نجاح هذا القطاع هو الانتقال من الزراعة إلى سلسلة قيّمة متكاملة".
وفي هذا الإطار، تلعب "مؤسسة رنيه معوض" دوراً محورياً في دعم المزارعين، ونقل المعرفة، وتطوير الممارسات الزراعية، عبر متابعة علمية وعملية مع المزارعين.
ولجمعية مار يوحنا بولس الثاني دور أساسي أيضاً عبر دعم إنشاء مشغل متطور لتوضيب الأفوكادو وتصديره، بالتعاون مع مجموعة من مزارعي عكار الذين يشكلون الهيئة التأسيسية لجمعية تعاونية متخصصة بإنتاج الأفوكادو وتسويقه.
ويقول مزارعون مهتمون وفاعلون في زراعة الافوكادو أن هذا التعاون أتاح تحسين جودة المنتج، التزام المعايير، وفتح آفاق التصدير المنظم بدل المبادرات الفردية.
وتركّز زراعة الأفوكادو حالياً على أصناف ذات طلب تجاري عالٍ وقدرة تخزينية جيدة، أبرزها: هاس ولامبهاس وبنكرتون وريد وجيم و فويرتي. وهناك أصناف أخرى قيد التجربة والتقييم بما يتلاءم مع خصوصية عكار المناخية.
وفي السياق، فإن الأفوكادو العكاري يمتلك ميزات تنافسية حقيقية: لجهة جودة طعم عالية، حجم ولون مقبولين تجارياً، توقيت إنتاج مناسب مقارنة ببعض الدول المنافسة.
ووفقاً للمعطيات، فإن من المتوقع خلال السنوات الخمس المقبلة أن تشهد المنطقة توسعاً إضافياً في المساحات المزروعة، وكذلك في الإنتاجية والنوعية، وتعزيز العمل التعاوني، وزيادة حجم التصدير المنظم.
ويؤكد المهندس نعيم أنه "بالتوازي مع الأفوكادو، هناك اختبارات وتجارب على محاصيل بديلة أخرى تتلاءم مع بيئة عكار، بهدف تنويع الإنتاج، وعدم ربط مستقبل المزارع بمحصول واحد فقط".
زراعة الأفوكادو في عكار ليست موجة عابرة، بل هي مسار تنموي واعد، قائم على العلم، الشراكة، واستثمار الميزات الطبيعية للمنطقة. ومع الاستمرار في بناء القدرات البشرية والبنى التحتية، يمكن هذا القطاع أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية الزراعية والاقتصادية في عكار ولبنان.
نبض