الشراء الإقليمي في الاستراتيجية الأميركية سوابق ودلالات

منبر 07-02-2026 | 14:57

الشراء الإقليمي في الاستراتيجية الأميركية سوابق ودلالات

صفقات الأرض الكبرى: الوجه الهادئ للتوسع الأميركي
الشراء الإقليمي في الاستراتيجية الأميركية سوابق ودلالات
الولايات المتحدة الأميركية (رويترز)
Smaller Bigger

شفيق طاهر

 

منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، لم تكتف بالتوسع عبر الحروب أو الضم التدريجي للأراضي، بل استخدمت أحياناً الشراء المباشر للأراضي وسيلةً أقل تكلفة سياسياً وعسكرياً لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية. هذا المسار لم يكن ثابتاً أو متكرراً بالوتيرة نفسها، لكنه يكشف من خلال محطاته الكبرى منطقاً واحداً، المال في مقابل الجغرافيا، حينها تصبح الجغرافيا أصلاً أمنياً أو اقتصادياً.

صفقات التوسع الكبرى
أبرز نموذج تأسيسي هو شراء ولاية لويزيانا عام 1803. فبموجب معاهدة مع فرنسا، اشترت الولايات المتحدة مساحة شاسعة غرب نهر المسيسيبي في مقابل 15 مليون دولار، ما ضاعف عملياً مساحة الدولة الناشئة وفتح حوض المسيسيبي أمام التجارة والاستيطان. أهمية الصفقة لم تكن زراعية فحسب، بل مرتبطة بالتحكم بشريان الملاحة النهرية الداخلية الأهم في القارة الأميركية.

أما فلوريدا، فقد تم شراؤها عام 1819، فقصتها تظهر أن الشراء أتى بصيغ غير نقدية مباشرة. وفق رواية مكتب مؤرخ الخارجية الأميركية، لم تتلق إسبانيا ثمناً نقدياً لفلوريدا. فقد وافقت واشنطن على تسديد ديون مالية تصل إلى 5 ملايين دولار، مرتبطة بأضرار ومطالبات مواطنين أميركيين على إسبانيا. بهذا أنهت الصفقة نزاعاً مالياً طويلاً.

أما في الجنوب الغربي للولايات المتحدة، فقد شكل شراء غادسدن 1853 وهي اتفاقية اشترت بموجبها الولايات المتحدة شريطاً من الأراضي من المكسيك مثالاً أوضح على ارتباط الشراء بالبنية التحتية، فالهدف من الشراء كان تأمين ممر مناسب لمشروع سكة حديد جنوبية عابرة للولايات. وبعد مفاوضات وصراع داخلي في مجلس الشيوخ، استقر الاتفاق على مبلغ 10 ملايين دولار.

ثم جاءت ألاسكا في عام 1867، صفقة بدت وقتها مجازفة باردة، لكنها تحولت لاحقاً إلى مكسب موارد وطاقة وموقع. فقد اشترت الولايات المتحدة الإقليم من الإمبراطورية الروسية في مقابل 7.2 ملايين دولار، في لحظة كانت موسكو ترى فيها الإقليم عبئاً بعيداً يصعب الدفاع عنه. وتثبت وثائق أرشيفية أميركية قيمة الرقم والسياق التعاقدي.

هذه الأمثلة تظهر أن شراء الأرض لم يكن رفاهية توسعية، بل استثمار في الممرات: ممرات أنهار، ممرات سواحل، ممرات سكك حديد، أو لاحقاً ممرات بحرية قطبية.

الصفقة الدانماركية... جزر فيرجن نموذجاً
الصفقة الوحيدة المكتملة بين واشنطن وكوبنهاغن (حتى الآن) هي شراء جزر الهند الغربية الدانماركية، أو ما سيعرف بجزر فيرجن الأميركية لاحقاً. ففي ظل الحرب العالمية الأولى والمخاوف من تمدد النفوذ الألماني في الكاريبي، دفعت الولايات المتحدة 25 مليون دولار ذهباً إلى الدانمارك، وتم النقل الرسمي للسيادة في 31 مارس/آذار 1917.

منطق الصفقة كان دفاعياً قبل أي شيء، الجزر نقطة ارتكاز في الكاريبي، تساهم في حماية طرق الملاحة وتعزيز أمن المجال المحيط بقناة بنما. ولهذا تُقرأ جزر فيرجن بوصفها جغرافيا صغيرة بوظيفة كبيرة، مساحة محدودة، لكنها تمنح حضوراً بحرياً واستخباراتياً في عقدة استراتيجية.

غرينلاند، الفكرة التي تعود كلما عاد الخوف
على رغم عدم تحقق أي بيع، فإن غرينلاند تعد المرآة الأوضح لاستمرارية التفكير الأميركي. كلما اشتدت المنافسة الدولية عاد سؤال السيطرة على الجزيرة.

بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت واشنطن عام 1946 عرضاً لشراء غرينلاند في مقابل 100 مليون دولار من الذهب، باعتبارها ذات أهمية حيوية لأمن الولايات المتحدة في بيئة ما بعد الحرب وبدايات الحرب الباردة. توثق وثائق الخارجية الأميركية محادثات ديسمبر/كانون الأول 1946 بهذا المنطق الأمني الصريح.

وفي عام 2025 عاد الملف إلى الواجهة سياسياً، لكن رد الدانمارك وغرينلاند كان حاسماً أنها غير مخصصة للبيع، كما نقلت "رويترز" آنذاك عن مسؤولين من غرينلاند، ووصفت رئيسة الوزراء الدانماركية الفكرة بأنها "عبثية".
ومع تصاعد الاهتمام العالمي بالقطب الشمالي، عادت القضية لتناقش إعلامياً وسياسياً من جديد في مطلع 2026، على خلفية جدل حول قواعد الولايات المتحدة واتفاقية 1951 المنظِّمة لوجودها العسكري في الجزيرة.

لماذا تشتري الدول أراضي؟ الدرس الأميركي في خمس نقاط
يقدم التاريخ الأميركي درساً مكثفاً في هذا المجال، إذ يظهر أن الدافع لا يكون توسعاً مجرداً بقدر ما هو حساب لمعادلات الأمن والمصلحة. فمن جهة، يتيح الدفاع المتقدم عبر الجزر والمرافئ والقواعد تقليص المسافة مع الخصوم وتحصين خطوط الملاحة، وتبقى جزر فيرجن مثالاً نموذجياً على ذلك. 

من جهة أخرى، يبرز عامل الاقتصاد والموارد بوصفه محركاً حاسماً، بحيث تجسد ألاسكا كيف يمكن صفقةً بدت متواضعة أن تتحول مع الزمن إلى مخزون استراتيجي للطاقة والثروات. 

كذلك يعمل الشراء بوصفه أداة للهندسة الجيوسياسية، إذ يعيد رسم ميزان القوى بهدوء ويمنح شرعية قانونية أسهل من الضم القسري. 

وفي حالات أخرى يرتبط الأمر بالبنية التحتية مباشرة، غادسدن لم يكن توسعاً من أجل التوسع، بل لتأمين ممر مناسب لمشروع سكة حديد.

وأخيراً، يبقى التوقيت العامل الأكثر أهمية، لأن غالب الصفقات جاء في لحظات ضغط على الطرف البائع أو في لحظات صعود أميركي يحتاج إلى تثبيت مواقع ومكاسب على الأرض. تاريخ الولايات المتحدة يظهر سابقة واضحة، عندما تصبح الجغرافيا مسألة أمن قومي أو فرصة اقتصادية كبيرة، يظهر خيار الشراء أداةً سياسية. نجحت واشنطن في صفقات كبرى مثل لويزيانا، ألاسكا، وغادسدن، وفي صفقة "الجزيرة-القاعدة" مع الدانمارك، أي جزر فيرجن، بينما بقيت غرينلاند مثالاً على فكرة تتكرر لا لأنها سهلة التنفيذ، بل لأن قيمتها الاستراتيجية ترتفع كلما احتدمت المنافسة على الممرات والموارد، خصوصاً في القطب الشمالي.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/6/2026 11:15:00 PM
قطة سيف الإسلام… صورة مؤثرة ورسالة حزينة تشعل مواقع التواصل
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime. 
دوليات 2/6/2026 6:02:00 PM
 ما ظهر في التسجيلات شخص يحمل أغطية أو أمتعة خاصة بالنزلاء.