"المعاش الذي لم يعد يكفي": متقاعدون يدفعون ثمن "إصلاح" لا يشبه الإصلاح
"بعد أربعين سنة خدمة، صار معاشي التقاعدي أقل من بدل إيجار بيت"، بهذه الجملة يختصر أبو فادي، موظف متقاعد من الإدارة العامة، علاقته اليوم بالدولة التي خدمها طوال عمره. يتقاضى شهرياً ما يوازي بالكاد حاجات أسبوعين، فيما تتراكم عليه فواتير الطبابة والكهرباء والمياه. يقول إن معاشه "لم يُصحَّح يوماً بعد الانهيار، لكنهم الآن يريدون اقتطاع جزء جديد منه".
أمّا ليلى، أرملة موظف رسمي، فتنظر بقلق مضاعف إلى ما يتم الحديث عنه حول نظام التقاعد وتقول: "المعاش هو مصدر دخلي الوحيد. إذا خُفِّضت نسبة استفادتي، لا أعرف كيف سأكمل". تشرح أنها تعتمد على هذا المبلغ لإعالة نفسها وابنها الطالب، وتخشى أن يتحوّل أي عمل جزئي يقوم به ابنها إلى سبب لقطع المعاش عنه.
هاتان الشهادتان ليستا استثناءً، بل تعكسان واقع عشرات آلاف المتقاعدين وأفراد عائلاتهم، في لحظة تناقش فيها الحكومة مشروع تعديل نظام التقاعد وهو إطاراً تشريعياً يُعيد هيكلة المعاش التقاعدي تحت عنوان الإصلاح وزيادة الرواتب، لكنه عملياً يُدخل تخفيضات جوهرية على ما يتقاضاه المتقاعدون وعائلاتهم، ويؤسّس لنظام أكثر تشدداً يُضعف الحماية الاجتماعية. هذا المشروع الذي يصفه الخطاب الرسمي بـالإصلاح، يراه كثيرون إجراءً تقشّفياً صريحاً يحمّل الفئات الأضعف كلفة الانهيار المالي.

مشروع "الإصلاح": ماذا يقترح فعلياً؟
مشروع تعديل نظام التقاعد الذي بدأ النقاش فيه داخل مجلس الوزراء ونشرت مسودة عنه في "المدن"، يأتي ضمن رزمة قيل إنها تهدف إلى "زيادة الرواتب وإصلاح نظام التقاعد". وفي مقدمته تأكيد لافت على "المحافظة على احتساب المعاش التقاعدي وفق الأسس النافذة من دون أي مساس". لكن قراءة مواد المشروع تكشف مفارقة أساسية:
فالاحتساب النظري قد يبقى كما هو، لكن ما يصل فعلياً إلى المتقاعد وعائلته يتقلّص. حيث تنص المادة 22 أنه باستثناء حالة الشهادة في ساحة الشرف حصرا،ً تخفض نسب استفادة أفراد عائلة الموظف/ة أو المتقاعد/ة أو القائم/ة بخدمة خاضعة لشرعة التقاعد من قيمة أساس المعاش التقاعدي أو التعويضات المتممة له أياً كان نوعها أو المخصصات والتعويضات أو معاش الاعتلال، وتصبح وفقاً لما يلي:
80% عند وجود أكثر من مستفيد
70% عند وجود زوجة أو زوج كمستفيد وحيد
60% عند وجود أب أو أم أو ابن أو ابنة كمستفيد وحيد
أي أن العائلة تخسر ما بين 5% و25% من معاش أساساً محتسب على أجر متآكل بفعل الانهيار النقدي، ومن دون أي تصحيح أو ربط بمؤشر غلاء المعيشة.
أما المادة 26 فتذهب أبعد بعد، إذ تؤسس لنظام جديد لمن يُحالون على التقاعد بعد نفاذ القانون فتخفض أساس احتساب المعاش وتعويض الصرف من 85% إلى 70% من آخر راتب. ثم تخضع العائلة لخفض إضافي:
60% عند تعدد المستفيدين
50% للزوج أو الزوجة
40% لأحد الوالدين أو الأولاد
بهذا المعنى، لا نتحدث عن إجراء انتقالي، بل عن نظام تقاعدي أشدّ قسوة يميّز بين الأجيال ويحوّل المعاش من حق اجتماعي إلى مورد محدود لا يؤمّن الحد الأدنى من الأمان.
لا يكتفي المشروع بتقليص النسب، بل يربط الاستفادة بشروط جديدة، أبرزها: إسقاط الحق بالمعاش عند وجود أي دخل خاص في لبنان أو الخارج، مهما كان متواضعاً.وينص في المادة 21: "في حال تحقيق الزوج/ة لأي دخل لحسابه/ا الخاص له طابع الاستمرار مهما كان نوعه أو تسميته وأيا كان مصدره سواء في لبنان أو في الخارج، يتقاضي فقط الفرق بين دخله المحرز وبين حصتها من المعاش التقاعدي ومتمماته أو معاش الاعتلال ومتمماته أو المخصصات والتعويضات.
أين المشروع في مساره القانوني؟
لا يزال المشروع حتى الساعة يناقش في مجلس الوزراء ولم يُحال إلى مجلس النواب، دون أي معلومات حتى الساعة إذا ما كان هناك من أجواء تدعم المشروع أم لا. حيث أكّد عدد من نواب لجنة المال والموازنة في حديثهم لـ"النهار" عدم علمهم أو اطلاعهم بالمشروع حيث لم تصلهم أي نسخة بعد.
من جهته، أكد النائب إبراهيم منيمنة، عضو لجنة المال والموازنة، في حديثه لـ"النهار" أن "مشروع القانون المتعلق بالتخفيض لم يُحال بعد إلى مجلس النواب، كما لم يُطرح للنقاش داخل لجنة المال والموازنة، مشدداً على موقفه المبدئي الرافض لأي إجراء من شأنه المساس بحقوق الفئات الأضعف في المجتمع. واعتبر أن هذه الشرائح تحملت على مدى السنوات الست الماضية الجزء الأكبر من كلفة الانهيار الاقتصادي، فيما لا يجوز الاستمرار في تحميلها أعباء إضافية بدل مساءلة ومحاسبة الجهات التي تسببت بالأزمة. وختم بالتأكيد على أن منطق العدالة يفرض تحميل المسؤولية لمن كان سبباً مباشراً في الانهيار، لا اقتطاع الحقوق من الفئات المهمّشة".
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يمكن وصف هذا المشروع بالإصلاح، فيما يمسّ حقوقاً مكتسبة من دون أي تصحيح سابق للمعاشات؟
فالمعاشات التقاعدية لم تُعدّل منذ الانهيار، ولم تُربط يوماً بمؤشر غلاء المعيشة، رغم تضخّم هائل وتراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية. ومع ذلك، يأتي المشروع ليقتطع نسباً إضافية من دخل متآكل أصلاً، ويطبّق هذه الخفوضات على أوضاع قائمة، ما يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ عدم الرجعية وحماية الحقوق المكتسبة.
التناقض يصبح أكثر حدّة بين خطاب رسمي يتحدث عن إصلاح، وواقع اجتماعي يعيش فيه المتقاعدون على حافة الفقر، من دون ضمان صحي شامل أو خدمات عامة أساسية.
إصلاح أم مساس بحقوق مكتسبة؟
في هذا الإطار شرحت مصادر في مجلس الخدمة المدنية في حديثها لـ"النهار" أن "طرح تخفيض المعاشات التقاعدية في ظل واقع إداري ومالي معقّد، إذ بات عدد المتقاعدين يقارب عدد الموظفين العاملين في الخدمة الفعلية، ما شكّل عبئاً كبيراً على المالية العامة. وفي هذا السياق، ترى الدولة أنها غير قادرة على تحمّل كلفة إضافية في حال جرى فتح باب التوظيف أمام كوادر جديدة، فتتجه بدلاً من ذلك إلى تقليص الرواتب التقاعدية كخيار أسهل وأسرع".
وعن اللجوء إلى تقليص الرواتب التقاعدية بدل سدّ زواريب الهدر، أو توقيف التوظيف الزبائني ردّت المصادر بأنه " في ظل نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية وهيمنة الأحزاب، يصبح من الصعب على المجلس فرض معايير واضحة أو تصحيح الاختلالات المتراكمة. ويبرز هذا الخلل بشكل خاص في ملف التعليم، حيث يُقدَّر عدد الأساتذة في الملاك أو المتعاقدين والمستعان بهم بنحو 85 ألف أستاذ، أُدخل كثير منهم بقرارات سياسية ووزارية متعاقبة، لأسباب انتخابية ومصالح حزبية. وفي ظل هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري: من يملك اليوم القدرة الفعلية على معالجة هذا التضخّم الوظيفي أو تصحيحه، في نظام تحكمه التوازنات الحزبية والطائفية أكثر مما تحكمه معايير الكفاءة والحاجة الفعلية"؟
ورأت المصادر أنّ "نسبة المستفيدين من ذوي العهدة، ولا سيما الأخت أو الابنة غير المتزوجة، أًصبحت تشكل عبئاً متزايداً على خزينة الدولة. وقد أفرز هذا الواقع ممارسات سلبية، من بينها لجوء بعض الحالات إلى الطلاق الشكلي بهدف الاستفادة من راتب الأب التقاعدي، ثم العودة إلى الزواج بصورة غير معلنة ومن دون التصريح الرسمي. كما أن أياً من الدول لا توسّع نطاق الراتب التقاعدي إلى هذا الحد".
ومع تغيّر العصر وتطوره، وتراجع نسب الأمية، أصبحت النساء العاملات أكثر عدداً، بحسب المصادر، التي اعتبرت أن ذلك "يجعل استمرار هذه الصيغة تشجيعاً غير مباشر على البطالة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود حالات إنسانية صعبة لنساء مهمشات أو بلا معيل، وهو ما يستدعي معالجة خاصة ومحددة".
غير أن هذا النموذج غير معمول به في أي نظام تقاعدي في العالم، تتابع المصادر، ما يفرض الحاجة إلى إصلاح حقيقي وشامل. فتنظيم الاستفادة بعد وفاة المستفيد الأول مسألة ضرورية، ويجب ربطها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية القائمة. فالقوانين ليست جامدة، بل تتغير وتُستقرأ وتُستنبط وفق تقاليد المجتمع وحاجاته المتجددة.
وبما أن القوانين التقاعدية المعمول بها تعود في معظمها إلى ثمانينيات القرن الماضي، فإن كل ما يتصل بها يبقى قابلاً للتعديل والتحديث بما ينسجم مع الواقع الحالي، بحسب المصادر.
منطق محاسبي ضيّق
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي د. محمد موسى، في حديث لـ"النهار"، أن "هذا التوجّه يعكس أزمة مالية عميقة اختارت فيها السلطة أسهل المسارات سياسياً وأقلّها كلفة آنية على الموازنة، ولو كان ذلك على حساب الفئات الأضعف".
ويشير إلى أن "السلطة، بدل معالجة جذور الخلل البنيوي من تهرّب ضريبي واسع، وريع غير خاضع للعدالة، واقتصاد غير منتج، ركّزت على خفض الإنفاق الاجتماعي باعتباره بنداً "قابلاً للاقتطاع". هذا النهج، برأيه، لا ينطلق من رؤية إصلاحية شاملة، بل من هاجس محاسبي يختزل الأزمة بتخفيف الضغط عن الخزينة الآن، حتى لو كان الثمن نسف العقد الاجتماعي".
أما التداعيات، برأي موسى، فهي تتجاوز البعد المالي لتطال الاستقرار الاجتماعي نفسه. فالمعاش التقاعدي يشكّل المورد شبه الوحيد لشريحة واسعة من المتقاعدين. تقليصه يعني دفعهم نحو الفقر، وتعميق فقدان الثقة بالدولة، وفتح سابقة خطيرة بتحويل الحقوق الاجتماعية إلى امتيازات قابلة للاقتطاع.
ماذا فعلت دول أخرى؟
تُظهر التجارب الدولية أن إصلاح أنظمة التقاعد الناجح لا يقوم على تقليص المستحقات وحده، بل على حزمة متكاملة تشمل حماية القدرة الشرائية، توزيعاً عادلاً للأعباء، إدارة مستقلة وشفافة، واحترام الحقوق المكتسبة. أما السياسات التي اختارت الخفض المباشر كخيار وحيد، فقد فشلت غالباً في تحقيق الاستدامة المالية، ودفعت أثماناً اجتماعية باهظة.
فعلى سبيل المثال، اعتمدت فرنسا مقاربة إصلاحية تقوم على ربط المعاشات التقاعدية بمؤشر التضخم، بما يحدّ من تآكل القدرة الشرائية للمتقاعدين، حتى في فترات الأزمات. ورغم الجدل السياسي الواسع الذي يرافق أي تعديل في سنّ التقاعد أو نسب الاقتطاع، حافظت الدولة الفرنسية على مبدأ حماية المعاشات القائمة، وامتنعت عن خفضها بشكل مباشر، باعتبارها جزءاً من العقد الاجتماعي وركيزة للاستقرار الاجتماعي.
وفي نموذج آخر يُعدّ من التجارب الناجحة، اختارت هولندا معالجة تحديات التقاعد من خلال إنشاء صناديق تقاعد مستقلة تُدار خارج الموازنة العامة، وتخضع لمعايير صارمة من الشفافية والحوكمة. هذا النموذج سمح بتحقيق استدامة مالية طويلة الأمد من دون تحميل المتقاعدين كلفة مباشرة، كما أسهم في حماية الحقوق المكتسبة وتحقيق عوائد استثمارية دعمت النظام بدلاً من استنزافه.
كذلك تُظهر تجربة السويد نجاح مقاربة تقوم على توزيع الأعباء بشكل أكثر عدالة، عبر نظام ضريبي تصاعدي ومساهمات مشتركة بين الدولة وأصحاب العمل، مع ربط جزئي للمعاشات بتطوّر الأجور والتضخم. وقد مكّن هذا الإطار من إدخال إصلاحات هيكلية من دون اللجوء إلى خفض المعاشات القائمة أو دفع المتقاعدين نحو الهشاشة الاجتماعية.
في المقابل، تقدّم اليونان مثالاً على فشل المقاربة التقشّفية الصرفة. فخلال ذروة الأزمة المالية، لجأت الدولة إلى خفض واسع للمعاشات التقاعدية في إطار برامج التقشّف، من دون توفير شبكة حماية اجتماعية كافية أو إصلاح جذري للنظام الضريبي. وكانت النتيجة ارتفاعاً حاداً في معدلات الفقر بين كبار السن، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات، ما اضطر السلطات لاحقاً إلى مراجعة بعض هذه الإجراءات تحت ضغط اجتماعي وقضائي.
بهذا المعنى، لا يكمن الفارق بين النجاح والفشل في حجم التقليص بحدّ ذاته، بل في الفلسفة التي تحكم الإصلاح: هل هو إعادة بناء عادلة ومستدامة، أم مجرّد إجراء محاسبي سريع يُنقل عبؤه إلى من لا قدرة لهم على تحمّله.
في المحصّلة، لا يبدو مشروع تعديل نظام التقاعد مجرّد إجراء تقني، بل خياراً سياسياً-اجتماعياً يحدّد من يدفع ثمن الانهيار. وبينما يُقدَّم على أنه إصلاح ضروري، يراه المتقاعدون اقتطاعاً جديداً من حق لم يعد يكفي أصلاً. ويبقى السؤال مفتوحاً:هل يُبنى إصلاح حقيقي عبر تقليص معاشات لم تُصحَّح يوماً، أم عبر إعادة توزيع عادلة للأعباء تحفظ كرامة من أفنوا عمرهم في خدمة الدولة؟
"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".
نبض