تشرنوبيل مالي

منبر 06-02-2026 | 09:50

تشرنوبيل مالي

هذه الأزمة لم تكن من النوع الذي يمكن ترتيبه بالطرق المعتادة في الجمهورية اللبنانية
تشرنوبيل مالي
مصرف لبنان (AFP)
Smaller Bigger

جان - كلود سعاده

 

الأزمة المالية والمصرفية المستمرة منذ أكثر من ست سنوات مازالت تعالج بالطقوس الغريبة والدوران حولها والتصاريح المبطنة إلى أن يفعل الوقت فعله. لكن هناك أموراً أساسية لن يعالجها الوقت بل سوف يقضي عليها تماماً.

هذه الأزمة لم تكن من النوع الذي يمكن ترتيبه بالطرق المعتادة في الجمهورية اللبنانية فهي كانت عبارة عن "تشرنوبيل مالي" ومصرفي من الحجم الكبير مع كامل أخطائه البشرية وتقصير مسؤوليه وأضراره الدائمة على البشر والحجر.

ثم تأتينا الحكومة الحاليّة بمشروع "قانون الفجوة" والذي يتنافى مضمونه تماماً مع تسميته الرسمية وهي "قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع". فالمشروع الذي أُحيل إلى المجلس النيابي ليس سوى نسخة سيئة من نفس الخطة ونفس المنطق المتداول منذ بداية الأزمة. فهذا المشروع يقدّم حلاً محاسبياً دون أبعاد مالية، ولا اقتصاديّة ولا إنسانيّة، كما أنه يقفز فوق ضرورة إجراء تدقيق جنائي شامل في جميع حسابات المصارف ومصرف لبنان ووزارة المال. باختصار، إن مشروع القانون الذي قدّمه للعلن "آباؤه الأربعة" ثم أقرته الحكومة وسلك طريقه إلى المجلس لا يقدم حلاً عادلاً ولا مستداماً، كما أنه لا يعيد الودائع كما يدّعي، بل يزيح الحمل عن ضهر الحكومة ويرميه في مكان آخر بما يُعرف بـ "passing the monkey"

هنا، كنا نتوقع دوراً محورياً أكبر لمصرف لبنان في معالجة الأزمة، خصوصاً انه يجمع لديه بين المعلومات والصلاحيات والإمكانات اللازمة لمقاربة هذه المهمة. ودون أن ننسى الدور السلبي الذي لعبه مصرف لبنان في السابق في تحويل النظام المصرفي اللبناني إلى هذا التشرنوبيل المالي الذي ابتلع 175 مليار دولار من الودائع، وأضعاف هذا المبلغ من الفرص الضائعة، وقد حوّل القطاع المصرفي بأكمله إلى بؤرة "ملوثة إشعاعيّاً" لن يقربها الزبائن على مدى عقود. 

فأكثر من 50 علامة تجارية تحولت إلى علامات سامّة وغير قادرة على الاستمرار بجميع معايير وقوانين السوق المعروفة. فالمصارف غامرت في قراراتها وخالفت أصول العمل المصرفي تحت أعين السلطة الناظمة والحكومة والقضاء واحتحزت ودائع زبائنها ثم تفننت ست سنوات وأكثر في إذلالهم وإزعاجهم. فلا بد أنه في هذه المصارف من يدرك حقيقة الأمر بأنها انتهت كعلامات تجارية ولا يمكنها العودة لمزاولة نشاطها وكأن شيئاً لم يكن. وهنا يتحمل مصرف لبنان وهيئاته الرقابية جزءاً كبيراً من المسؤولية عن عدم المراقبة والمحاسبة والتدخل.

بالعودة إلى الدور المنتظر من مصرف لبنان، فحتى الآن يكتفي مصرف لبنان بتقديم الأرقام و"النصح" للحكومة كما يقول، كما أن الوقائع على الأرض لا تشي بوجود نيّة للقطع مع الماضي وبناء قطاع مصرفي ومالي جديد يماشي حاجات المستقبل. فالمركزي لديه القدرة على تولي الحل الشامل عبر الاستحواذ على ديون المصارف تجاه المودعين (من ضمن عملية إعادة الهيكلة) والقيام بتصنيفها تبعاً لنتائج التدقيق الجنائي المستقل بين مشروعة ومشكوك بأمرها. فالأموال المشروعة تحرر إلى حسابات أصحابها مع وضع سقوف للسحوبات والتحويلات إلى الخارج لفترة قصيرة. أمّا الأموال المشكوك بمصادرها فيتم تحويلها إلى محكمة مالية خاصة للنظر بأمرها أو للوصول إلى تسويات معينة مع أصحابها. 

إنها أزمة انفجرت بسبب خلط سوء التقدير مع إنعدام الضمير والكثير الكثير من الجشع والعمى المهني والأخلاقي. فعدا الأخطاء البشرية الجسيمة التي أدّت إلى هذا "التشرنوبيل" والضحايا التي أصابها مباشرةً، هناك قطاع كامل قد تلّوث بالإشعاعات وانعدام الثقة. فاستمرار الاعتماد على عامل الوقت لحل العقد سوف ينقل العدوى من القطاع المصرفي إلى الاقتصاد اللبناني برمّته.

 

 

ملاحظة: إن المقالة أعلاه تعبّر عن رأي مؤلفها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي صحيفة "النهار" أو موقعها الإلكتروني

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 10:51:00 AM
خطوة رقمية جديدة تدخل باصات النقل المشترك في لبنان، و"النهار" تشرح تفاصيل "غوغل ترانزيت" وتأثيره على التنقّل اليومي
اقتصاد وأعمال 2/5/2026 12:00:00 PM
عطية: شركة طيران الشرق الأوسط لا تبدي رغبة فعلية في تشغيل المطار، لأسباب تتعلق بعدد الطائرات المتوافرة لديها أو بقدراتها التشغيلية