هل فقد الذهب الرقمي بريقه؟
تهاوت القيمة السوقية للعملات المشفرة بنحو نصف تريليون دولار خلال أقل من أسبوع، مع تسارع موجة بيع قادتها عملة بتكوين، حيث انخفض إجمالي القيمة السوقية بنحو تريليون دولار منذ 29 كانون الثاني/يناير. وتراجعت بتكوين إلى أدنى مستوياتها في نحو 18 شهراً مسجلة حوالي 60,000 دولاراً. ولا تزال العملة منخفضة بنحو 35% منذ بداية العام، وبنحو 55% مقارنة بذروتها التي تجاوزت 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي، كما أنها تتداول بأكثر من 50% دون القمم المسجلة لاحقاً.
جاء هذا الهبوط في سياق أسبوع اتسم بتقلبات حادة في الأسواق العالمية شملت الذهب والفضة، حيث تمكنت المعادن النفيسة من جذب طلب شرائي بعد تراجعاتها، بينما لم تحصل العملات المشفرة على دعم مماثل. واتجهت التدفقات الاستثمارية نحو الأصول التقليدية الأكثر أماناً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع الدولار الأميركي من أدنى مستوياته في أربعة أعوام، ما زاد الضغط على فئة الأصول عالية المخاطر وفي مقدمتها العملات الرقمية.
في أسواق المشتقات، أظهرت التداولات تعثر بتكوين بعد ارتداد قصير من أدنى مستوياتها في نحو عشرة أشهر، مع استمرار الحذر في سوق الخيارات. ورغم تراجع عقود التحوط من الهبوط، فإن تركز أسعار التنفيذ يعكس استمرار القلق، مع بروز مستوى 60 ألف دولار كمنطقة دعم رئيسية، تليها منطقة قرب 55 ألف دولار كمستوى دعم تالٍ.
تزامنت التراجعات السعرية مع استمرار التدفقات الخارجة من الصناديق المتداولة المرتبطة بالأسعار الفورية للعملات المشفرة في الولايات المتحدة، وعددها 12 صندوقاً، حيث سجلت ثلاثة أشهر متتالية من صافي الاستردادات. وخلال هذه الفترة تم سحب نحو 12 مليار دولار، مع اقتراب تسجيل أطول سلسلة تدفقات خارجة منذ إطلاق هذه الأدوات في عام 2024. كما أظهرت بيانات التداول تصفية مراكز مضاربة على الصعود تتجاوز قيمتها 1.5 مليار دولار خلال 24 ساعة، وهو ما سرّع وتيرة الهبوط بعد كسر مستويات فنية مهمة ودفع إلى إغلاقات تلقائية لمراكز ذات رافعة مالية.

ويعكس هذا الأداء تداخل عدة عوامل تشمل تشديد الأوضاع المالية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وتغير توقعات السياسة النقدية، وتراجع السيولة العالمية، ما حدّ من دخول تدفقات شرائية جديدة وزاد حساسية الأسعار لتحركات البيع.
في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب والمعادن النفيسة خلال الفترة نفسها رغم تقليص بعض المكاسب لاحقاً، مع توجه المستثمرين إلى أدوات التحوط التقليدية في أوقات الضبابية. ويظهر قياس أداء بتكوين مقابل الذهب تراجعاً بنحو 60% منذ ذروة أواخر 2024، ما يعكس ضعف أدائها النسبي مقارنة بالمعدن النفيس. وتشير تقديرات التداول إلى أن بقاء السعر دون نطاق 60 ألف دولار قد يفتح المجال لتحركات أضعف، خاصة في فترات انخفاض السيولة، مقابل احتمال استقرار نسبي في حال عودة التدفقات وتحسن مستويات السيولة في السوق.
ويبرز هذا المشهد المتباين انقساماً واضحاً بين مؤسسات ترى أن السوق بصدد إعادة تموضع تمهّد لدورة صعود جديدة، وأصوات تحذّر من مرحلة استقرار طويلة أو تصحيحات مؤلمة، في ظل عوامل كلية وجيوسياسية ضاغطة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات متناقضة لمسار العملات المشفرة خلال عام 2026 وما بعدها.
نبض