البنوك المركزية تُخفف شراء الذهب… لكنها لا تتركه
عندما تهدأ مشتريات البنوك المركزية من الذهب، لا يعني ذلك أن الشهية انطفأت. غالباً ما يعني ذلك فقط أن السعر أصبح يفرض احترامه لكن أساسيات الذهب كأصل استراتيجي سيادي بقيت. 2025 كانت سنة من هذا النوع: وتيرة الشراء تراجعت، لكن السقف الذي وصلت إليه بقي أعلى بكثير من أي معيارٍ تاريخي حديث. وكأن البنوك المركزية تتحرك بشكل محسوب: نحن لا نطارد السعر… لكننا لا نترك رواية الأصل السيادي.
وفق بيانات جمعها مجلس الذهب العالمي، بلغت مشتريات القطاع الرسمي في 2025 نحو863.3 طنًاً، بانخفاض 21% على أساس سنوي، وهو أدنى مستوى منذ 2021. ومع ذلك، يبقى الرقم مرتفعاً بشكلٍ يصعب تجاهله؛ متوسط 2010 إلى 2021 كان 473 طناً سنوياً. أي أن التراجع في 2025 ما زال أعلى بكثير من خط الأساس الذي اعتادت عليه الأسواق قبل أن يتحول الذهب إلى قلب قصة الاحتياطي العالمي.
اللافت أن الشراء عاد ليتسارع في الربع الأخير 230 طنًّا أُضيفت في الربع الرابع وحده، بزيادة 6% عن الربع السابق. هنا تظهر طبيعة السلوك الرسمي؛ حتى عندما يتباطأ، يعود ليُثبت حضوره عند أول منعطف في المشهد الاقتصادي والجيوسياسي.
لماذا تباطأ الشراء؟
السبب الأقرب إلى المنطق هو السعر نفسه. ارتفاع الذهب دفع كثيراً من البنوك إلى نهج أكثر حذراً. الرسالة ضمنية لكنها مهمة: البنوك المركزية ليست كيانات تشتري بلا حساب، حتى لو كانت دوافعها استراتيجية طويلة الأمد. هي تتحسس السعر، تُعدّل الإيقاع، ثم تواصل السير.
وإذا كان 2025 قد فشل في تجاوز عتبة 1000 طن التي اعتادها السوق في السنوات الثلاثة الماضية الاستثنائية، فإن مجلس الذهب العالمي وصف الطلب بأنه مُثير للإعجاب، لأنه يُثبت أن الجاذبية الاستراتيجية للذهب لم تتراجع، بل تغيّرت فقط طريقة الظهور؛ أقل اندفاعاً، أكثر انضباطاً.

الذهب يتقدم على سندات الخزانة: تحوّل في لغة الاحتياطي
الحدث الذي يشرح المسار الأكبر جاء في نهاية العام. الذهب تجاوز سندات الخزانة الأميركية ليصبح أكبر أصل احتياطي في العالم. هذا التحول يقوم على تراكم طويل، شراء رسمي متواصل، وارتفاع في السعر، وتحوّل في طريقة إدارة المخاطر السيادية. هنا يصبح الذهب ليس أداة تحوط فحسب، بل جزء من إعادة توزيع الثقة داخل احتياطات العالم.
بولندا في المقدمة: الذهب كقرار سيادي
في 2025، أعلن22 بنكاً مركزياً زيادة احتياطياته بما لا يقل عن طن واحد. لكن بولندا كانت في الصدارة بوضوح، البنك الوطني البولندي أضاف 102 طن خلال العام، لترتفع حيازته إلى 550 طناً، أي ما يعادل نحو 28% من احتياطياته الرسمية.
الأرقام هنا ليست مجرد إنجاز سنوي. هي قصة تسارع تاريخي؛ في 1996 كانت بولندا تملك 14 طنًاً فقط. وخلال شهرٍ أخير، أعلن البنك أنه يخطط لشراء ما يصل إلى 150 طنًاً إضافية، لرفع الحيازات إلى سقف 700 طن. الهدف المعلن ليس اقتصاداً صغيراً في التفاصيل، بل اقتصاد كبير في الرمزية: دخول نادي العشرة الكبار عالمياً من حيث احتياطيات الذهب. بل إن بولندا باتت تملك ذهبًا أكثر من البنك المركزي الأوروبي نفسه.
كازاخستان والبرازيل وتركيا وتشيكيا: مدارس مختلفة…
كازاخستان جاءت ثانيةً بزيادة 52 طناً، وهي أعلى وتيرة شراء سنوية لها منذ 199. ومع الدول التي تشتري من إنتاجها المحلي، قد يظهر سلوك "البيع والشراء" بحسب ظروف السوق، لكن الاتجاه المعلن بقي واضحاً؛ تفضيل البقاء مشترياً صافياً إلى أن تهدأ التوترات العالمية.
البرازيل عادت بقوة في النصف الثاني من 2025: أضافت 43 طناً بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر، لترتفع احتياطياتها إلى 172 طناً. أما تركيا، فحافظت على وتيرة الشراء الصغير المتكرر، مع مشتريات امتدت 23 شهراً متتالياً حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر، وأضافت 27 طناً خلال 2025.
المدرسة التشيكية بدت أقرب إلى سياسة التراكم البطيء: شراء مستمر لمدة 34 شهراً متتالياً، وإضافة 20 طناً في 2025 لرفع الحيازة إلى 72 طناً، مع خطة للوصول إلى 100 طن بحلول 2028. هنا تتضح فكرة مهمة: بعض البنوك تشتري الذهب لتبني عازلاً تدريجياً لا يلفت الانتباه… لكنه يغير ميزان الحماية في النهاية.
الصين: الأرقام الرسمية تقول تباطؤا… وما خلفها يقول شيئاً آخر
الصين أبلغت رسمياً عن زيادة 27 طناً في 2025، لترتفع الاحتياطيات إلى نحو 2,306 طن، أي قرابة 9% من إجمالي الاحتياطات الرسمية. كما أشارت البيانات إلى 14 شهراً متتالياً من الزيادات، مع إضافة طن واحد في كانون الاول/ديسمبر، وارتفاع إجمالي قدره 402 طن خلال هذه الفترة.
لكن الفارق هنا في كلمة واحدة: رسمياً. التقديرات البحثية تتحدث عن مشتريات غير مُعلنة وعن أن حيازات الصين الفعلية قد تكون أعلى بكثير من المُعلن، مع حديث عن أكثر من 5,000 طن داخل بكين. هذه النقطة، حتى من دون تبنيها كحقيقة نهائية، تكشف شيئاً مهماً؛ في عالم الذهب، الشفافية ليست شرطاً دائماً، والشراء الصامت جزء من الحرب التجارية والاقتصادية.
ما الذي يعنيه ذلك للسوق؟ التباطؤ لا يساوي نهاية الاتجاه
الاستنتاج الأقرب للواقع أن 2025 لم تُغيّر الاتجاه، بل غيرت السرعة. البنوك المركزية قلّصت الإيقاع تحت ضغط السعر، لكنها لم تتراجع عن الفكرة. ومجلس الذهب العالمي بقي على نظرته الإيجابية، معتبراً أن الضباب الاقتصادي والجيوسياسي المستمر سيحافظ على الطلب على الذهب كأصل احتياطي. الاستطلاع الذي يستند إليه المجلس يذهب أبعد؛ 95% من المشاركين يتوقعون ارتفاع الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، و43% يتوقعون زيادة احتياطيات بلدانهم تحديدًا، مع غيابٍ تام لتوقعات الانخفاض.
وهنا بيت القصيد: الذهب لم يعد قراراً دفاعياً عند الأزمات فقط، بل صار سياسةً احتياطية طويلة الأمد. قد تتغير الأحجام من سنةٍ إلى أخرى، وقد تتبدل الجغرافيا بين مشترٍ وآخر. لكن القصة الكبرى لم تتغير؛ حينما يتكاثر عدم اليقين، تعود البنوك المركزية إلى الأصل الذي لا يحمل توقيع أحد… ولا يحتاج إلى ثقة أحد.
** رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة إكويتي
نبض