من عالم مضطرب إلى دول تُعَاد هندستها: ماذا تكشف قمة دبي عن حكومات الغد؟

اقتصاد وأعمال 05-02-2026 | 08:07

من عالم مضطرب إلى دول تُعَاد هندستها: ماذا تكشف قمة دبي عن حكومات الغد؟

على المستوى العالمي، تنطلق القمة من إدراك واسع أن الحكومات تعمل اليوم في بيئة تتّسم بلا يقين دائم: أزمات جيوسياسية مفتوحة، وضغوط اقتصادية متراكمة، وتحوّلات ديموغرافية، وتسارع تكنولوجي يتجاوز قدرة التشريع والمؤسسات على اللحاق به.
من عالم مضطرب إلى دول تُعَاد هندستها: ماذا تكشف قمة دبي عن حكومات الغد؟
من فعاليات القمة العالمية للحكومات في دبي. (القمة العالمية للحكومات)
Smaller Bigger

لم تعد القمة العالمية للحكومات مجرّد ملتقى سنوي لتبادل الأفكار حول الإدارة العامة، بل باتت منصةً تعكس تحوّلاً أعمق في نظرة العالم إلى الدولة ودورها. اللافت هذا العام أنّ القمة، في مداولاتها وهي تُختتم في دبي اليوم، لم تكتفِ بتشخيص أزمات النظام الدولي أو طرح أسئلة مستقبلية عامة فحسب، بل ركّزت بوضوح على تحويل هذه الأسئلة إلى أدوات وسياسات قابلة للتطبيق، في اعتراف ضمني بأن نموذج الحكم التقليدي لم يعد قادراً على مواكبة عالم سريع التغيّر ومتعدّد المخاطر.

 

على المستوى العالمي، تنطلق القمة من إدراك واسع أن الحكومات تعمل اليوم في بيئة تتّسم بلا يقين دائم: أزمات جيوسياسية مفتوحة، وضغوط اقتصادية متراكمة، وتحوّلات ديموغرافية، وتسارع تكنولوجي يتجاوز قدرة التشريع والمؤسسات على اللحاق به. في هذا السياق، لا يُطرَح مفهوم "الحكومة الفاعلة" بوصفه مرادفاً للقوة أو المركزية، بل بوصفه قدرة على بناء المرونة المؤسسية، والاستباق، وإدارة المخاطر قبل تحوّلها إلى أزمات وجودية. المستقبل، كما تُظهره القمة، لم يعد حدثاً يُنتظَر أو سيناريو نظرياً، بل مسار يجب أن يُدَار يومياً بأدوات قياس واستشراف وتكيّف.

 

القمة العالمية للحكومات (وكالات)
القمة العالمية للحكومات (وكالات)

 

 

هذا التحوّل في التفكير بالحكم يجد صداه الأوضح في منطقة الخليج، التي تحضر في القمة ليس بوصفها فضاءً غنياً بالموارد فحسب، بل أيضاً مختبر فعلي لسياسات حكومية جديدة. دول الخليج، مستفيدة من الاستقرار وسرعة اتخاذ القرار، تبدو أكثر استعداداً لتجريب نماذج متقدّمة في الحوكمة الرقمية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، وإعادة تصميم المدن وأنظمة التنقّل. ويعكس هذا الحضور توجّهاً خليجياً متزايداً نحو تطوير نماذج حكم أكثر تكاملاً، تُراهن على الابتكار والمرونة المؤسسية بوصفهما مدخلاً لتعزيز الفاعلية الحكومية وتعزيز خدمات الدولة في مرحلة تحوّل اقتصادي وتكنولوجي عميقة.

 

في قلب هذا المشهد الإقليمي، تبرز التجربة الإماراتية باعتبارها تعبيراً متكاملاً عمّا تسميه القمة "حكومات المستقبل". لا تقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها كدولة بلغت نموذجاً نهائياً مكتمل الأركان، بل كدولة تتعامل مع الحكم بوصفه مشروعاً مفتوحاً قابلاً للمراجعة والتحديث المستمرين. الدولة هنا ليست جهازاً بيروقراطياً ثابتاً، بل منظومة مؤسسية تتغيّر أدواتها مع تغيّر التحدّيات. وتُظهرِ مجريات القمة هذا العام انتقالاً واضحاً من مرحلة الرؤية والشعارات إلى مرحلة الأدوات والتنفيذ، حيث تُترجم مفاهيم مثل الابتكار، والرفاه، والاستشراف إلى سياسات عامة، ومؤشرات أداء، وآليات قياس ومساءلة، بما يعكس فهماً عملياً لفكرة أن المستقبل لا يُدَار بالنيات، بل بالقدرة على التطبيق.

 

غير أنّ القمة، وهي تسلّط الضوء على هذا المسار، تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع يتعلّق بسائر الدول العربية. فالفجوة بين الخليج وبقية العالم العربي لا تبدو، وفق منطق القمة، فجوة موارد أو كفاءات بشرية بقدر ما هي فجوة حوكمة ورؤية واستمرارية سياسات. كثير من الدول العربية لا يزال أسير إدارة الأزمات اليومية، عاجزاً عن التخطيط البعيد الأجل، أو عن تحويل المستقبل إلى أولوية سياسية واضحة. وفي هذا السياق، لا تقدّم القمة نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، لكنها تلمّح بوضوح إلى أنّ المشكلة ليست في غياب الأفكار أو المبادرات، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى سياسات عامة قابلة للحياة والاستمرار.

 

في المحصلة، لا تزعم القمة العالمية للحكومات، وهي تُسدِل الستار على أعمالها، أنّها تملك إجابات نهائية عن أزمات العالم، لكنها تنجح في إعادة صياغة السؤال الجوهري لعصر التحوّلات الكبرى: هل تبقى الحكومات أسيرة ردّ الفعل وإدارة الطوارئ، أم تتحوّل إلى جهات فاعلة تصمّم مستقبلها بأدوات واضحة وقرارات قابلة للتنفيذ؟ بين عالم يعيد تعريف قواعده، وخليج يختبر نماذج جديدة للحكومات، وتجربة إماراتية تعمل لتحويل الاستشراف إلى سياسة يومية، يبدو أن الصراع الحقيقي لم يعد على الموارد فحسب، بل على نماذج الحكم القادرة على تحويل المستقبل من فكرة إلى ممارسة.

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
شمال إفريقيا 2/4/2026 11:17:00 PM
أحمد القذافي ينشر رواية اغتيال سيف الإسلام ويطالب بتحقيق شفاف
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.