المباني المستأجرة: هدر "مقصود" منذ عقود... الدولة تستأجر من النافذين وتهمل عقاراتها
تتآكل المالية العامة للدولة اللبنانية بصمت تحت عناوين ومسببات مختلفة، واحدها الهدر المقونن الناتج عن كلفة المباني الحكومية المستأجرة حديثاً أو منذ عقود، والتي غدت غالبيتها غير صالحة، ولم تعد توائم وظيفتها الخدماتية، وبعضها شاغر من الموظفين كلياً أو جزئياً.
في المقابل، تستمر الخزينة في تسديد عشرات ملايين الدولارات سنوياً بدل إيجارات تعود في جزء كبير منها إلى جهات نافذة سياسياً ودينياً ومالياً وحزبياً.
فإلى متى سيبقى هذا النزف البطيء في المالية العامة، وفي غض الدولة النظر، وتقاعسها عن الاستثمار في العقارات التي تملكها، والتخلص من عبء الإيجارات الذي يثقل على موازنة الدولة.
الملف ليس جديداً. ففي موازنة عام 2018، أقر مجلس النواب "قانون برنامج لتشييد الأبنية الحكومية" بهدف تمكين الدولة وإداراتها من الاستغناء عن استئجار المباني خلال 5 سنوات، ورصدت حينه اعتمادات بقيمة 750 مليار ليرة (500 مليون دولار) لهذه الغاية.
بيد أن القانون لم ينفذ، رغم ضرورته، ورغم أنه أتى متأخراً 14 عاماً، عندما كشفت دراسة أعدها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية آنذاك محمد فنيش، خلصت إلى أن الدولة تدفع سنوياً أكثر من 90 مليار ليرة (60 مليون دولار) لاستئجار نحو 57 مبنى، معظمها لا يستوفي الشروط القانونية ولا يلبي حاجات المرافق العامة.
وأظهرت دراسة فنيش أن توزيع المباني المستأجرة يتم بمعايير زبائنية أكثر منها وظيفية، وأن الانتقال من الإيجار إلى الملكية من شأنه أن يخفف الكلفة السنوية على الخزينة، ويحرر الدولة من عقود قديمة وجديدة ببدلات مرتفعة، لا سيما تلك الخاضعة لحرية التعاقد، والتي نظمت بغالبيتها بالدولار وبقيم مبالغ فيها نتيجة تخمينات غير محايدة. كما أوصى حينها بإعطاء الأولوية لتحرير الإيجارات الخاضعة لقانون الإيجارات القديم قبل عام 1992، ثم الانتقال إلى العقود الحرة حيث يكمن الهدر الأكبر.
وقبيل الأزمة المالية، أعدت الأمانة العامة لمجلس الوزراء إحصاء أظهر أن الدولة تستأجر نحو 1308 أقسام وتدفع بدلات إيجار تصل إلى 63 مليون دولار سنوياً، وهو رقم مرشح للارتفاع مع التعديلات التي أقرت لاحقاً على قوانين الإيجار. اللافت أن المستفيدين من هذه العقود هم في غالبيتهم من كبار النافذين. فالدولة تستأجر أقساماً في مبنى "ستاركو" لوزارة التنمية الإدارية مقابل نحو 573 ألف دولار سنوياً، وتشغل تعاونية موظفي الدولة منذ عام 2016، مبنى من 4 طوابق في برج حمود بكلفة 670 مليون ليرة سنوياً، كانت آنذاك تبلغ 445 ألف دولار، فيما يكلف مقر التفتيش المركزي المستأجر في رأس بيروت نحو مليار ليرة سنويا (666 ألف دولار).
هدر متراكم!
تكشف تفاصيل إضافية حجم الهدر المتراكم، فقد تم الغاء وزارة المغتربين في العام 2000، ونقل الموظفون الى وزارة الخارجية. استمر 17 موظفا في المبنى المؤجر في منطقة بئر حسن قرب فندق الماريوت بايجار سنوي بقيمة 366 الف دولار. والرقم المتراكم على مدى 25 عاما (اكثر من تسعة ملايين دولار) يعادل ثمن البناء كاملا.
واستأجرت الدولة منذ مطلع الألفية مكاتب في مبنى "ستاركو" بمساحة تقارب 2116 متراً مربعاً، معظمها شاغر، بكلفة سنوية تبلغ نحو 700 ألف دولار. وعلى مدى 20 عاماً، تجاوزت الإيجارات المسددة 14 مليون دولار، يضاف إليها بدل إيجار مواقف لم تستخدم.
وفي مقارنة مع متوسط أسعار العقارات التي كانت سائدة فترذاك، يتبين أن الدولة دفعت ما يزيد عن القيمة السوقية للعقار المستأجر بنحو 6 ملايين دولار.
هذه الوقائع عززتها دراسة حديثة أعدتها مبادرة "غربال" وقدرت كلفة الإيجارات الحكومية بأكثر من 52 مليون دولار سنوياً، فيما بلغت الكلفة التراكمية لعقود الإيجار منذ عام 1992 نحو مليار و200 مليون دولار، من دون احتساب كلفة التجهيز والصيانة والكهرباء. وأظهرت الدراسة أن الدولة تدير 1315 عقد إيجار موزعة على 67 جهة عامة، تشمل مرافق أساسية في التعليم والصحة والدفاع والرعاية الاجتماعية.
كما بينت الدراسة أن الجهات المؤجِرة تشمل 59 جهة دينية ووقفاً، و38 جمعية مرتبطة في معظمها بنفوذ سياسي أو طائفي، إضافة إلى مصارف وشركات كبرى. ومن حيث قيمة العقود، تصدر عقد استئجار وزارة الخارجية مبنى "الإسكوا" بقيمة تفوق 9.1 ملايين دولار سنوياً، من دون تحديد مساحة المبنى في العقد.
في المقابل، بدأ الحديث رسمياً عن خطوات عملية ولو محدودة. وزير المال ياسين جابر أعلن أن وزارة المال باشرت فعلياً بترشيد إنفاقها، وقررت إخلاء مبنى المديرية العامة للشؤون العقارية ومبنى مديرية الواردات في منطقة بشارة الخوري، والانتقال إلى مبانٍ تملكها الوزارة في كورنيش النهر، على أن يتم ذلك قبل نهاية أيار 2026.
غير أن هذا الإجراء، على أهميته، يبقى جزئياً. فبحسب مدير عام وزارة المال جورج معراوي، كل وزارة تعد سيدة نفسها، ومن واجبها أن تعيد النظر في المباني التي تستأجرها، وأن تحدد إمكانات التخفيض ودمج المكاتب، من دون أن تفرض على وزارات أخرى قرارات لا تدخل ضمن صلاحياتها. ويشير معراوي إلى أن إدارة الأبحاث والتوجيه في مجلس الخدمة المدنية كانت مطالبة بإعداد دراسة حول المباني غير المشغولة لوقف استئجارها، بالتوازي مع لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة تدرس حاليا ملف المباني المستأجرة للدولة. ويؤكد أن كلفة الإيجارات، بما فيها مباني بشارة الخوري، تتجاوز مليوني دولار سنوياً، وهي مرشحة للارتفاع تدريجياً مع صدور قانون الإيجارات غير السكنية الجديد، ما يعني استمرار نزف ملايين الدولارات إذا لم تعتمد مقاربة شاملة.
وأوضح أن هذه الخطوة ستوفر ما لا يقل عن مليوني دولار سنويا، مع إمكان تحقيق وفر أكبر مستقبلا، وقد جرى تمويل كلفة الانتقال عبر عقد مصالحة مع مالكي المباني القديمة.
نبض