إلغاء التسعير بالدولار يشعل السجال بين المطاعم و"السياحة" الرامي لـ"النهار": سنبني على الشيء مقتضاه!
أعاد إلغاء وزارة السياحة القرار رقم 9 الصادر عام 2022، "نبش" السجال على ضرورة تسعير خدمات المؤسسات السياحية والمطعمية بالدولار الأميركي، أو العودة إلى اعتماد الليرة اللبنانية، بين أهل القطاع ووزارة السياحة صاحبة القرار والإلغاء.
وعليه، لم يجد أصحاب المؤسسات السياحية سببا مقنعا، استدعى استعجال وزارة السياحة إلغاء قرار شكَّل عند صدوره مخرجا علميا وجريئا للخروج من الجمود القاتل وعشوائية التسعير وتقلباتها، بسبب تقلب أسعار الصرف.
ففيما تدفع الدولة اللبنانية جميع الرواتب والأجور والمستحقات لرؤسائها ووزرائها ونوابها وموظفيها وقواها العسكرية والأمنية والمتقاعدين كافة بالدولار، أصابها فجأة "مسّ السيادة"، وبادرت إلى إلغاء القرار رقم 9، من دون أي تنسيق مسبق مع المعنيين بالقطاع، أو تقديم استشارة تبرز الجدوى الاقتصادية والمالية لإلغائه.
تحت وطأة الانهيار المالي وغياب أي إستراتيجية "علاجية" جامعة، يتحول أي قرار تنظيمي يتصل بالقطاعات الحيوية، إلى اختبار فعلي لمدى جدية الدولة في إدارة أزماتها وعثراتها، لا إلى إجراء تقني أو إداري معزول التأثير العكسي على القطاعات المعنية. وتاليا، لا يمكن التعامل مع إلغاء التعميم رقم 9 بوصفه مجرد تعديل تنظيمي، بل كخطوة تفرض طرح أسئلة كبرى حول الرؤية والاستمرارية، ومن يدفع كلفة التقلبات في بلد أنهكته القرارات المتناقضة؟
التعميم رقم 9 الصادر في 2 حزيران 2022، لم يكن ترفا ولا خيارا أيديولوجيا لقطاع السياحة، بل أتى استجابة قسرية لفوضى نقدية غير مسبوقة، فقدت خلالها الليرة اللبنانية وظيفتها السوقية، فتحولت المؤسسات السياحية وغيرها إلى ضحايا يومية لتقلبات سعر الصرف.
شكل سماح الحكومة بإعلان الأسعار بالدولار الأميركي آنذاك، خشبة خلاص حقيقية للمؤسسات السياحية والمطعمية، فدخل الدولار مباشرة المؤسسات بدل تسريبه إلى الصرافين، بما مكّنها من دفع الرواتب بالعملة الصعبة، وثبت العمالة المحلية، وفرض حدا أدنى من الشفافية والاستقرار في التسعير.
الأرقام والوقائع أكدت أن الموسم السياحي عام 2022، عند صدور القرار، كان من الأنجح بعد سنوات من الانهيار والخسائر، حيث تحول القطاع السياحي إلى نموذج احتذته لاحقا قطاعات إنتاجية أخرى فُرضت عليها الدولرة أمرا واقعا.
إلغاء هذا التعميم عبر التعميم رقم 1 الصادر في كانون الثاني 2026 أعاد فتح جرح لم يلتئم أصلا. فإعادة فرض منطق التسعير بالليرة اللبنانية، من دون أي استعادة فعلية للانتظام المالي أو توحيد سعر الصرف أو توفير أدوات الحماية للمؤسسات، تعني عمليا إعادة تدوير الأزمة، وتعريض المؤسسات السياحية لمخاطر تشغيلية ومالية، وإرباكات إدارية وضريبية، وتهديد ما تبقى من دور لهذا القطاع كرافعة للاقتصاد الوطني.
يستدعي ما سبق السؤال: من يتحمل كلفة هذا الارتداد؟
الأخطر من مضمون القرار هو طريقة اتخاذه، إذ إن صدور تعميم بهذا الحجم من دون أي تشاور مسبق مع النقابات المعنية، التي كانت شريكا أساسيا في صناعة الحل خلال ذروة الأزمة، يكشف خللا بنيويا في المقاربات الاقتصادية للحكم.
فحين تهمش الجهات المنتِجة ويستبعد أصحاب الخبرة الميدانية، يصبح أي قرار أقرب إلى ارتجال إداري منه إلى سياسة عامة مدروسة، وتتحول المؤسسات مرة جديدة إلى ضحايا قرارات، لم يحسب موقعوها حساب تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
موقف نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري جاء انعكاسا مباشرا لهذا القلق. وقد عبّر الاجتماع الطارئ الذي عقده مجلس النقابة بوضوح عن رفضه التعميم الجديد، واعتبره إلغاء لقرار مفصلي أنقذ القطاع السياحي وحمى الاقتصاد الوطني في ذروة الأزمة النقدية.
النقيب طوني الرامي لم يخف حدة موقفه، مذكرا بأن "الدولارات كانت تتكدس لدى الصرافين فيما المؤسسات تنزف، وأن التعميم رقم 9 أعاد الحياة إلى القطاع، وسمح بدفع الرواتب بالدولار، وثبت اليد العاملة". وسأل: "ماذا تغير اليوم؟ وكيف يمكن تسعير طبق أو حجز فندقي مسبق في ظل أرقام بملايين الليرات تتبدل قيمتها باستمرار؟"
وكما الهيئات الاقتصادية والعمالية التي رأت أن القرار جاء في غير وقته، طالب الرامي عبر "النهار" وزيرة السياحة بالرجوع عن قرارها، كاشفا عن إمكان الدعوة إلى جمعية عمومية "لنبني على الشيء مقتضاه"، خصوصا أن القرار جاء من دون التنسيق مع النقابات السياحية المعنية أو وزارة الاقتصاد.
النقابة شددت على تمسكها بالليرة اللبنانية عملة وطنية، لكنها ربطت سلامة تداولها بـ"استعادة الدولة انتظامها المالي والنقدي، لا بفرض أعباء إضافية على القطاعات المنتِجة". واعتبرت أن التذرع بحماية المستهلك لا يستقيم قانونا، إذ إن الجهة المختصة بذلك هي وزارة الاقتصاد والتجارة، التي لا يزال قرارها رقم 33/1/أ.ت. الصادر في آذار 2023 نافذا، ويجيز التسعير بالدولار وفق آلية واضحة نالت موافقة مجلس شورى الدولة.
اقتصاديا وتشغيليا، ترى النقابة أن فرض التسعير بالليرة حصرا يفتح الباب أمام التلاعب بالأسعار، ويضر بالمستهلك بدل حمايته، ويجعل المؤسسات تلجأ إلى الصرافين لتأمين الدولار، بما يرفع الكلفة التشغيلية ويزيد الضغط على سوق الصرف، في تناقض واضح مع سياسات مصرف لبنان الرامية إلى تنظيم الطلب على الدولار عبر القنوات النظامية.
في المقابل، حاولت وزارة السياحة توضيح موقفها، مؤكدة أنها لا تمنع الإعلان بالدولار، بل تشترط تصديق لوائح الأسعار الأساسية بالليرة وإعلام الوزارة بأي تسعير موازٍ بالدولار ضمن إطار "العلم والخبر". غير أن هذا التوضيح لم يبدد المخاوف، بل عزز الانطباع أن القرار يعيد تحميل المؤسسات أعباء إدارية ومالية إضافية في اقتصاد مدولر بحكم الأمر الواقع.
نبض