واشنطن خارج المؤسسات الدولية: ماذا بعد؟

اقتصاد وأعمال 30-01-2026 | 06:25

واشنطن خارج المؤسسات الدولية: ماذا بعد؟

إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تنسحب أميركا؟ بل: ماذا يعني ذلك للعالم، ولمكانة الولايات المتحدة نفسها؟
واشنطن خارج المؤسسات الدولية: ماذا بعد؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
Smaller Bigger

لم يكن قرار الولايات المتحدة الانسحاب من بعض المنظمات الأممية والدولية، أو التلويح به، مجرّد خطوة إدارية في سجلات الدبلوماسية. إنه تحوّل سياسي واقتصادي يمسّ جوهر النظام الدولي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية، حين صاغت قواعد "العالم المتعدد الأطراف"، وربطت نفوذها العسكري والاقتصادي بمنظومة مؤسسات تُنتِج الشرعية وتُحدِّد المعايير وتُديْر الأزمات. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تنسحب أميركا؟ بل: ماذا يعني ذلك للعالم، ولمكانة الولايات المتحدة نفسها؟


سياسياً، يضرب الانسحاب الأميركي فكرة القيادة قبل أن يضرب المؤسسة المستهدفة بالانسحاب. ليست العضوية في منظمات مثل منظمة الصحة العالمية أو "اليونسكو" أو مجلس حقوق الإنسان مسألة رمزية فحسب، بل هي حضور يومي في صنع القرار، ومقاعد حول طاولات كتابة المعايير، وقدرة على بناء تحالفات في داخل المؤسسات، والتأثير في أولويات التمويل والتقارير والبرامج. حين تغادر واشنطن مؤسسة، فهي لا تعاقب المؤسسة وحدها، بل تتنازل عملياً عن أدوات أثرها "الهادئ" لصالح أطراف أخرى جاهزة لملء الفراغ، وفي مقدمها الاتحاد الأوروبي – ناهيك بالصين وروسيا وقوى إقليمية تسعى إلى إعادة تعريف المعايير وفق مصالحها.

هذا التنازل لا يظهر فوراً على شكل خسارة عسكرية أو تراجع اقتصادي مباشر، بل يتبلور بصورة أخطر: تآكل القدرة الأميركية على توجيه قواعد اللعبة. لا تعمل المؤسسات الدولية بوصفها "جمعيات خيرية" بل باعتبارها منصات لإنتاج الشرعية. من يكتب القواعد يربح لاحقاً في التجارة والتكنولوجيا والتمويل، وحتى في إدارة الأزمات. والانسحاب، ولا سيما حين يتكرر أو يتحول إلى أسلوب تفاوضي، يولّد انطباعاً بأن واشنطن لم تعد ترى نفسها "ضامنة للنظام" بل طرفاً انتقائياً يرى في المؤسسات صفقات قريبة الأجل، ما يفتح الباب أمام سؤال الثقة: هل التزامات الولايات المتحدة قابلة للتبديل مع كل دورة سياسية؟

على مستوى العلاقات مع الحلفاء، لا يقلّ الأثر حساسية. ليست المنظمات الأممية والدولية فقط قنوات عمل مع الخصوم، بل آليات تنسيق أيضاً مع الأصدقاء. أوروبا مثلاً تميل تاريخياً إلى الاستثمار في الشرعية المتعدّدة الأطراف، وترى فيها بديلاً أو مكمّلاً للقوة الصلبة. لذلك، يُقرَأ أي انسحاب أميركي في العواصم الحليفة انحرافاً عن منطق الشراكة إلى منطق الإملاء أو الانكفاء، ما يفرض على الحلفاء إعادة حساباتهم، وبناء خطط بديلة، وربما زيادة الاستقلالية الاستراتيجية في ملفات الصحة والطاقة والأمن والاقتصاد.

لا يقل الوجه الاقتصادي للانسحاب خطورة عن الوجه السياسي، بل قد يكون أكثر تكلفة في الأجل البعيد. من السهل تقديم الانسحاب للرأي العام الأميركي خطوة تستهدف "توفير المال" عبر وقف المساهمات المالية أو تخفيف الالتزامات، غير أن الحساب الواقعي أكثر تعقيداً: ليست هذه المؤسسات مجرد بنود إنفاق، بل أدوات "تأمين عالمي" من الصدمات. منظمة الصحة العالمية، مثلاً، ليست مجرد مكتب في جنيف، بل شبكة إنذار مبكر وتنسيق عالمي في مواجهة الأوبئة، ومرجعية علمية في إدارة المخاطر الصحية التي تتحول سريعاً إلى أزمات اقتصادية عبر تعطيل سلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع الإنفاق الطارئ، واضطراب الأسواق. ما يُدفَع كاشتراك أو مساهمة قد يكون في الحقيقة قسطاً صغيراً لتجنب فاتورة ضخمة عند وقوع الكارثة.

كذلك، يُضعِف الانسحاب قدرة الولايات المتحدة على التأثير في المعايير التقنية والمعرفية التي تتحول تدريجياً إلى قواعد سوق. "اليونسكو"، مثلاً، ليست فقط ثقافة وتراثاً، بل فضاء يتقاطع فيه التعليم والبحث العلمي والهوية الرقمية والسياسات المعرفية. ومن يبتعد عن هذه الطاولة يخسر نفوذاً في "اقتصاد المستقبل" حيث المعايير تسبق السلع، والسمعة تسبق الاستثمار، واللغة المؤسسية تسبق التشريعات الوطنية.

يظهر الأثر الاقتصادي أيضاً عبر قناة "عدم اليقين". حتى التهديد بالانسحاب، قبل تنفيذه، يخلق حالة من التذبذب في التوقعات. المستثمرون، ولا سيما صناع القرار في المؤسسات الكبرى وصناديق التقاعد، يكرهون التقلبات السياسية التي تعني تغيراً سريعاً في القواعد والالتزامات. وحين تتحول السياسة الخارجية إلى موجة من الانسحابات أو التلويح بها، يصبح السؤال لدى الأسواق: هل الولايات المتحدة شريك يمكن توقع سلوكه أم أن المخاطر السياسية باتت جزءاً من تسعير الأصول الأميركية؟ لا تعني هذه النقطة بالضرورة ابتعاداً فورياً عن الدولار أو السندات الأميركية، لكنها تعني إضافة "علاوة مخاطر" ولو صغيرة، ومع الزمن قد تتحول الصغيرة إلى كبيرة.

أما على مستوى العالم، فانسحاب القوة الأكبر من مؤسسات دولية يخلق فجوتين: فجوة تمويل وفجوة قيادة. فجوة التمويل تضرب البرامج في البلدان الأكثر هشاشة، حيث تعتمد قطاعات الصحة والتعليم والتنمية على مساهمات الدول الكبرى؛ وفجوة القيادة تعني تراجع القدرة على تنسيق الاستجابة للأزمات العابرة للحدود. وعندما تضعف المؤسسات، لا يولد بديل عالمي موحد، بل تتكاثر البدائل الإقليمية والصفقات الثنائية، ما يزيد التشظي ويضاعف تكاليف التنسيق ويُنتِج معايير متنافسة. ليست النتيجة "عالماً أقل بيروقراطية" كما يروّج البعض، بل عالم أكثر فوضى، وأكثر تكلفة على التجارة والاستثمار وإدارة الأزمات.

الخلاصة أن انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الأممية والدولية، أو تحويله إلى أداة ضغط دائم، هو قرار يتجاوز السياسة الخارجية إلى إعادة تعريف دور أميركا في النظام الدولي. قد يحقق مكاسب داخلية قريبة الأجل عبر خطاب السيادة وتقليص الالتزامات، لكنه يحمل ثمناً سياسياً يتمثل بتراجع النفوذ الناعم وتآكل الثقة، وثمناً اقتصادياً يتمثل بزيادة المخاطر وفقدان القدرة على صياغة المعايير وتقليل "تأمين العالم" من الصدمات. وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، من الأوبئة إلى المناخ إلى اضطراب سلاسل الإمداد، تبدو تكلفة الانسحاب أكبر من مكاسب الانكفاء، لأن من يترك الطاولة لا يوقف اللعبة… بل يسمح لآخرين بإعادة كتابة قواعدها.

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...