Food Stack ينقل الزراعة إلى الحوكمة الذكية... هاني لـ"النهار": خطوة متقدمة نحو رقمنة القطاع
يواجه القطاع الزراعي في لبنان تحديات جمّة تفرض عليه إعادة تعريف أدواته وآليات إدارته، في ظل تراكم الأزمات المالية، وتزايد حدة التغيرات المناخية، وتراجع القدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية. فالاعتماد المستمر على الأساليب التقليدية لم يعد كافيا لحماية الإنتاج أو ضمان استدامة سلاسل الغذاء، بما يجعل التحول الرقمي خيارا إستراتيجيا لا يمكن تأجيله.
من هذا المنطلق، يبرز التوجه نحو إدارة زراعية قائمة على البيانات والتكنولوجيا، مدخلا أساسيا لإعادة تنظيم القطاع وتعزيز قدرته على الصمود.
ويشكل المقترح المقدم من برنامج الأغذية العالمي (WFP) لأحد مكونات برنامج GATE تحت عنوان "Food Stack" نموذجا متقدما لهذا التحول، من خلال دمج الذكاء الجغرافي المكاني، وبيانات المناخ، وتحليلات المخاطر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ضمن منظومة متكاملة تخدم صانعي القرار والمزارعين على حد سواء. كذلك يعزز تطوير تطبيق رقمي لتتبع المنتجات الزراعية، الشفافية والامتثال لمعايير الجودة، ويفتح آفاقا أوسع أمام سلامة الغذاء وجاهزية التصدير.
يؤكد وزير الزراعة نزار هاني لـ"النهار"، أن فكرة "Food Stack" تشكل "جزءا أساسيا من التحول الرقمي الكبير في عمل الوزارة، ولاسيما في مجال مراقبة المحاصيل الزراعية، من خلال استخدام التقنيات الحديثة، مثل صور الأقمار الاصطناعية، وتقنيات الرصد عبر الطائرات المسيرة، وسائر الأساليب الجديدة في إدارة القطاع الزراعي".
ويشرح أن "جوهر هذا النظام يكمن في توحيد البيانات الزراعية المبعثرة ضمن منصة مركزية واحدة. واليوم، نملك سجلا للمزارعين في قاعدة بيانات مستقلة، وآلية منفصلة لإصدار الشهادات الصحية، إضافة إلى آليات أخرى لإصدار الرخص المختلفة. يأتي "Food Stack" ليجمع كل هذه المعطيات في مكان واحد، بحيث يصبح بمثابة قاعدة بيانات زراعية شاملة ومتكاملة على مستوى البلاد".
لا يقتصر دور "Food Stack" على جمع المعلومات، بل يتجاوزه إلى بناء مرجع وطني للقطاع الزراعي، إذ يضم سجل المزارعين، والإحصاء الزراعي، وكل التفاصيل المتعلقة بالأراضي الزراعية ومساحاتها، ونوع المحاصيل المزروعة. وهي بيانات كانت متوافرة سابقا، ولكن على نحو مجزأ وموزع بين إدارات مختلفة، ما حدّ من فاعليتها في التخطيط واتخاذ القرار.
هذا التكامل في رأي هاني "يساعدنا على تحقيق ما نسميه التتبع الكامل في القطاع الزراعي". فمع انطلاق العمل بسجل المزارعين، باتت لدى الوزارة صورة واضحة عن كل مزارع، وموقع أرضه، ومساحتها، ونوعية إنتاجه. لكن الخطوة الأهم وفق هاني، هي "الانتقال إلى مستوى أعمق يتمثل في توثيق الممارسات الزراعية نفسها".
ضمن هذه المنظومة، يحصل كل مزارع على صلاحية دخول النظام لإدخال معلوماته الدورية، كأنواع الأسمدة والأدوية الزراعية المستخدمة، وتوقيت قطف الإنتاج. هذا المسار وفق هاني "ينقلنا من المعرفة العامة بالمزارع إلى معرفة دقيقة بكيفية الإنتاج، بما يرفع مستوى الرقابة والجودة في آن واحد".
ويمتد التتبع الرقمي إلى مرحلة ما بعد الحصاد، عبر إدخال مراكز التعليب والتوضيب في النظام، بحيث يكون لكل مركز رمز خاص، وتسجل حركة المنتجات من هذه المراكز إلى الأسواق المحلية أو التصديرية. وهكذا تتشكل سلسلة متكاملة لتتبع المنتج الزراعي، يمكن مراقبتها وإدارتها رقميا بدل الاعتماد على الكشوف الميدانية اليدوية.
ويشير هاني إلى أن "العمليات كانت تنفذ سابقا بأسلوب تقليدي، من خلال زيارات ميدانية وتدوين الملاحظات يدويا، فيما يسمح النظام الجديد بجمع كل هذه البيانات على منصة رقمية واحدة، مدعومة بصور الأقمار الاصطناعية وعمليات التحقق على الأرض".
ماذا عن المدة الزمنية لتنفيذ المشروع؟ يوضح هاني أن "البرمجيات" و"النظام" و"اللينكس" تحتاج إلى سنة واحدة. ويتبع ذلك نوع من الدعم الإداري والتشغيلي (Operational Support) لمدة 3 سنوات. وبذلك تكون المدة الإجمالية للمشروع 4 سنوات، على أن يكون النظام في نهاية السنة الأولى جاهزا للعمل بشكل كامل (Fully Functional).
يرتكز "Food Stack" على أدوات تكنولوجية متقدمة، أبرزها الذكاء الجغرافي المكاني، الذي يتيح تحديد أنواع المحاصيل وحدود الحقول ومراحل النمو، إضافة إلى مؤشرات صحة المحاصيل وتقدير الإنتاج. ويتكامل النظام مع بيانات المناخ والإنذار المبكر، بما يشمل التنبؤ بالجفاف والفيضانات وموجات الحر، فضلا عن تحليلات مخاطر مدعومة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لمحاكاة احتمالات نجاح المواسم الزراعية أو فشلها.
وتوفر المنصة لوحات معلومات تفاعلية لصناع القرار، تساعد على التخطيط وتحسين الاستهداف وإعداد التقارير، إلى جانب إرشادات مخصصة للمزارعين وفق نوع المحصول والموقع ومستوى المخاطر.
يوازي هذا المسار الرقمي استكمال العمل على سجل المزارعين، الذي بلغ عدد المسجلين فيه نحو 75 ألفا، مع السعي للوصول إلى 120 ألفا. ويعتبر هاني أن هذا السجل "يشكل مدخلا أساسيا لإحداث نقلة نوعية في تطبيق أنظمة تتبع المنتجات الغذائية النباتية والحيوانية، وتوثيق مساراتها وتسويقها"، ما يمنح المنتجات اللبنانية ميزة تفاضلية، ويساهم في تخفيف متطلبات الفحوص المخبرية وإجراءات الشهادات الصحية.
ولا يقتصر التحول الرقمي على الإنتاج النباتي، بل يشمل أيضا الثروة الحيوانية، من خلال رقابة دقيقة على المزارع، ومتابعة الأمراض، وتنظيم عمليات التلقيح وآليات المتابعة.
هكذا، تضع وزارة الزراعة أسس انتقال تدريجي من الإدارة التقليدية إلى الحوكمة الذكية، وهو ما يختصره هاني لـ"النهار" بالقول إنه "خطوة متقدمة في مسار رقمنة القطاع الزراعي في لبنان".
نبض