هل يتخطى سعر الذهب حاجز الـ5,000 دولار للأونصة؟
الذهب لا يتحرك لأن العالم خائف فقط، بل لأنه لم يعد واثقاً. الخوف لحظة؛ أمّا انعدام اليقين فهو مناخ كامل، وفي هذا المناخ تحديداً يزدهر المعدن الذي لا يعِد بعائدٍ، لكنه يعد بأن يبقى قائماً حين تتبدل الوعود الأخرى.
في أولى جلسات هذا الأسبوع، لامس الذهب قمة قياسية عند 4,888 دولاراً للأونصة، قبل أن يتراجع إلى 4,770 دولاراً مع تحسن الشهية للمخاطرة وارتفاع الدولار. التراجع لم يكن انقلاباً في الاتجاه بقدر ما كان إعادة تسعير لجزء من علاوة التوتر بعدما هدأت نبرة الملف الأوروبي المرتبط بالتعريفات وغرينلاند، فتراجعت حاجة السوق إلى التحصين الفوري.
وها هو الذهب اليوم يعود ليقفز من جديد فيسجل قمة قياسية جديدة متخطياً الـ4,950 دولاراً للأونصة الواحدة في ختام هذا الأسبوع!
لكن وراء حركة السعر، القصة أعمق من جلسة صعود وجلسة هبوط. الذهب يدخل أسبوعين حساسين وهو يمسك بأربعة محركات في وقت واحد: السياسة التي تفتح باب المفاجآت، الدولار الذي يستعيد زمام التأثير، عوائد السندات التي تُثقل كلفة الفرصة البديلة، وفيدرالي يقف على خط رفيع بين بيانات لم تُحسم ورواية استقلال تتعرض للاهتزاز.
علاوة السياسة لم تنته، تغير شكلها فقط
هبوط الذهب بعد القمة جاء عندما خفّت حرارة العناوين، لكن هذا لا يعني أن السياسة خرجت من المعادلة. المشكلة أن السوق تعلّم في كانون الثاني/يناير أن القرارات يمكن أن تُراجع بسرعة، وأن التهديدات يمكن أن تعود بسرعة أكبر. هذا النوع من البيئة لا يخلق اتجاهاً خطياً بقدر ما يخلق موجات. موجات تُشعلها الجملة قبل القرار، وتطفئها الهدنة قبل الاتفاق.
ولهذا بقيت مكاسب الذهب هذا العام كبيرة حتى مع التصحيح. الذهب دخل 2026 بزخم صاعد مدفوع بالتحوط من مخاطر السياسة والطلب الاستثماري والرسمي، وهو ما ظهر بوضوح في تقديرات رفع مستهدفات أسعار الذهب إلى 5,400 دولار للأونصة في كانون الأول/ ديسمبر 2026 لغولد مان ساكس، مع افتراض استمرار مشتريات البنوك المركزية عند متوسط يقترب من 60 طنًا خلال 2026.
الرسالة هنا ليست أن الهدف مضمون، بل إن قاعدة الطلب التي تحمل الاتجاه ليست هشة كما تبدو في يوم تراجع.
الدولار يعود إلى المقدمة، لكن نفوذه ليس مطلقاً
أحد أسباب تراجع الذهب كان ارتفاع الدولار، لأن الدولار الأقوى يجعل شراء الذهب أغلى على حاملي العملات الأخرى، فيتراجع الطلب الهامشي. ومؤشر الدولار كان قريباً من 98.60، وهو مستوى يكفي وحده لتفسير جزءٍ من ضغط الجلسة على الذهب.
لكن علاقة الذهب بالدولار ليست ميكانيكية دائماً. حين يكون صعود الدولار انعكاساً لثقة اقتصادية صافية، يميل الذهب إلى الانكماش. أما حين يكون صعود الدولار انعكاساً لتدافع نحو السيولة في لحظة توتر، قد يصعد الذهب والدولار معاً، ويصبح الفاصل بينهما هو طبيعة الخوف لا اتجاه العملة.
وهنا تحديداً تكمن حساسية الأسبوعين المقبلين: هل يعود الدولار لأن السوق مرتاح، أم لأنه يتحصن؟ الفارق بين الحالتين هو الفارق بين تصحيح محدود وبين موجة جني أرباح أوسع.
عوائد السندات ترفع كلفة استثمار الذهب
الذهب أصلٌ بلا عائد. لذلك كل ارتفاع في العوائد الاسمية، خصوصاً على السندات الأميركية، يرفع كلفة الفرصة البديلة لحيازته. عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ سبتمبر 2025؛ أي منذ أن خفض الفيدرالي الفائدة ثلاث مرات متتالية؛ تعني بأن المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى مع المخاوف من بيوع الدول الحليفة للسندات الأميركية.
هذا المستوى لا يقتل صعود الذهب وحده، لكنه يفرض شرطاً: كي يستمر الذهب في الارتفاع، يحتاج إمّا إلى تراجع في العوائد، أو إلى صعود في علاوة المخاطر أعلى من كلفة العائد. وبالرغم من تسارع ارتفاع العوائد؛ إلا أن المخاطر حولنا أعلى وأسبق. الأسبوعان المقبلان هما امتحان توازن بين هذين المسارين. فإذا استقرت العوائد مرتفعة بينما يهدأ المشهد السياسي، يصبح الذهب أكثر عرضة لتصحيح. أما إذا بقيت السياسة صاخبة، فالعوائد قد تتحول إلى ضجيج ثانوي أمام طلب التحوط.
الفيدرالي الأسبوع المقبل: تثبيت الفائدة شبه محسوم، لكن النبرة ليست كذلك
موعد اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في 27 و28 يناير هو حجر الزاوية في الأفق القريب. هذا اجتماع لا يتوقع السوق أن يخرج بخفض الفائدة كالمرات الثلاث المنصرمة، مع تسعيرٍ يشير إلى احتمال مرتفع جداً للإبقاء على النطاق الحالي 3.50% إلى 3.75%.
لكن الذهب لا يترقب القرار وحده، بل يترقب النبرة. لأن النبرة هي التي ستحدد إن كان الفيدرالي يرى التضخم يتباطأ بثقة، أم يراه يتباطأ بتردد. وهي التي ستحدد أيضاً إن كانت السياسة النقدية ستبدو في أعين السوق محصنة ضد الضغط السياسي، أم أنها مضطرة إلى التعامل مع ظله. وفي لحظة تتصاعد فيها حساسية الأسواق لأي إشارة تخص استقلال البنك المركزي، يكفي تغير بسيط في لغة الفيدرالي كي يُعيد تسعير المسار كله، حتى لو لم تتغير الفائدة نقطة واحدة. ما يعني أن يعلو صوت السؤال حول استقلالية الفيدرالي؛ والذهب يعشق حالات التردد.

ما الذي سيحرك الذهب خلال أسبوعين؟
خلال الأسبوعين المقبلين، هناك ثلاثة مفاتيح واضحة تملك القدرة على دفع الذهب في الاتجاهين، من دون حاجة إلى حدثٍ كبير:
أولًا، السوق تراقب إشارات سوق العمل والطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة، لأن أي تراجعٍ واضح في الضغوط السعرية مع ضعف في حالة الوظائف يفتح الباب لتوقعات تيسير لاحق، وهو وقود صريح للذهب.
ثانيًا، قوة الدولار واستقرار العوائد. إذا بقي مؤشر الدولار متماسكًا قرب مستوياته الأخيرة، وبقي عائد العشر سنوات مرتفعاً، سيحتاج الذهب إلى جرعة جديدة من التوتر أو إلى مفاجأة بيانات لصالحه كي يخترق القمة الآخيرة.
ثالثًا، السياسة بوصفها مولداً للعلاوة. أي عودة لتهديدات تعريفات، أو تصعيد في الملفات الجيوسياسية، أو ضباب حول استقلال المؤسسات، يعيد قسط التأمين إلى السعر بسرعة. لهذا تبدو المنطقة الحالية منطقة حساسة: الذهب تراجع لأن الضبابية انخفضت، لكنها لم تتبدد.
الاتجاه العام صاعد ما دامت علاوة عدم اليقين قائمة، لكن الإيقاع سيظل متوتراً لأن الدولار والعوائد يقفان على الطرف الآخر من الميزان. خلال أسبوعين، سيتحدد إن كان هذا التراجع مجرد استراحةٍ تقنية بعد قمة قياسية، أم بداية موجة تصحيح أوسع تقودها قوة الدولار وكلفة العائد. وعلى ما يبدو أن التصحيح وإن حدث قد يبدو على هيئة عمليات جني أرباح، ثم يعود مسار تسعير خفض الفائدة وعلاوة المخاطر الدبلوماسية والجيوسياسية ومشتريات البنوك المركزية هي المسيطر على تحركات الذهب نحو مستويات 5,000 دولار.
نبض