المخاوف العالمية تتحول إلى فرصة استثمارية: أسعار الذهب إلى أين؟
حافظ الذهب تاريخياً على مكانته بوصفه مؤشراً حساساً إلى اضطرابات النظام العالمي، إذ تعكس تحركاته حجم القلق وعدم اليقين اللذين يرافقان التحولات الكبرى. ومع كلّ أزمة مالية أو تصاعد في التوترات الدولية، يتقدّم المعدن الأصفر إلى الواجهة مجدداً، لا باعتباره سلعة سوقيّة فحسب، بل كإشارة تحليلية على اختلالات أعمق تطال بنية الاقتصاد العالمي واتجاهاته.
منذ عام 2023، تشهد الأسواق العالمية موجة صعود ملحوظة في أسعار الذهب، وهي موجة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتحولات بنيوية في المشهدين الجيوسياسي، والجيو- اقتصادي. وتشير قراءات عدة إلى أن العوامل الجيو - اقتصادية باتت المحرك الأبرز لمسار الذهب، متقدمة على الاعتبارات السياسية التقليدية، في ظل إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية وتزايد المخاوف المرتبطة بالاستقرار المالي العالمي.
هذه العوامل تتمثل، بحسب الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين، في "الرسوم التجارية والجمركية التي فرضت عالمياً في سياق الصراع الصيني - الأميركي، ولا سيما في قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والعملات الرقمية. يضاف إلى ذلك التنافس المتصاعد بين اليوان والدولار، والتحولات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، ما خلق بيئة عالمية غير مستقرة دفعت المستثمرين إلى البحث عن أدوات تحوط أكثر أماناً".
من زاوية العرض والطلب، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للذهب بشكل واضح، مدفوعة بتوجه المصارف المركزية، خصوصاً في دول مجموعة الـ "بريكس"، إلى شراء كميات كبيرة منه، تحسباً لمخاطر مرتبطة بالوضع الاقتصادي الأميركي. كذلك، عززت الصناديق الاستثمارية مواقعها في الذهب، في ظل تراجع الدولار الأميركي بنسب تراوحت ما بين 11 و13%، إلى جانب العجز المتفاقم في الموازنة الأميركية وارتفاع أسعار الفائدة خلال مراحل سابقة؛ وهذه عوامل جعلت الذهب خياراً مفضلاً للتحوط والاستثمار.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التطورات الجيوسياسية، إذ - وفق ناصر الدين - "ترتبط حالة عدم اليقين بالصراعات القائمة في الشرق الأوسط حول الممرات الحيوية، وبالتوترات المستجدة في أوروبا. يضاف إلى ذلك التباطؤ الاقتصادي الأوروبي، وأزمة الديون العالمية، التي بلغت مستويات غير مسبوقة. فقد وصلت ديون الولايات المتحدة إلى نحو 37 تريليون دولار مقابل ناتج محلي يقارب الـ 25 تريليون دولار، فيما تواجه الصين أعباء ديون داخلية وأزمة في قطاع العقارات تنعكس تباطؤاً اقتصادياً. أما أوروبا، فتجاوزت ديونها الـ 13 تريليون يورو، يتحمل الجزء الأكبر منها اقتصادا ألمانيا وفرنسا".

هذه المعطيات مجتمعة عززت مكانة الذهب كملاذ آمن، ولا سيما في عام 2025، حيث شهدت قيمته السوقية ارتفاعاً لافتاً، وبلغت الأرباح التراكمية المرتبطة بتداوله نحو 14 تريليون دولار. ووفق قراءة ناصر الدين، لم يعد الذهب مجرد أداة لحفظ القيمة، بل تحول إلى ملاذ آمن ذي طابع استثماري.
كذلك لعب مسار خفض أسعار الفائدة في النصف الثاني من عام 2025 دوراً محورياً في دعم أسعار الذهب، مع الانتقال التدريجي من 4.25 إلى 4%، ثم إلى 3.75%. يأتي ذلك في ظل توترات سياسية واقتصادية في داخل الولايات المتحدة، وتوقعات بتغييرات في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدبرالي بما ينسجم مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى توترات جديدة مرتبطة بملف غرينلاند والقطب الشمالي، والرسوم الجمركية المفروضة على أوروبا، بحسب ناصر الدين.
إلى ذلك، يوجّه ناصر الدين نصيحة إلى مقتني الذهب: "من يملك ذهباً فلا يبِعه. فالذهب قد يمرّ بمراحل تصحيح أو تراجع موقت، لكنه يميل تاريخياً إلى العودة إلى مسار الصعود". كما يميز بين الذهب الفيزيائي وأسهم الذهب، معتبراً أن "التراجعات تضرب الأخيرة بشكل أكبر، في حين يحقق الذهب الملموس مكاسب على المدى المتوسط والطويل".
التوقعات تشير أيضاً إلى مزيد من تخفيضات أسعار الفائدة خلال 2026، وربما أكثر من مرة؛ وهذا عامل إضافي - برأي ناصر الدين - "يدعم الطلب على الذهب، إذ اشترت الصناديق الاستثمارية وحدها نحو 699 طناً في العام الماضي، مع توجّه لمواصلة الشراء بكميات أكبر، بالتوازي مع دخول بعض مصارف الدول الناشئة إلى هذا المسار بهدف تحقيق فروقات ربحية، في ظلّ القلق المتزايد من مستقبل الدولار".
ويرى ناصر الدين أن "عام 2026 يحمل تحديات شبيهة بعام 2025، ما يعزز توجه الاستثمارات نحو الذهب. وما يُشاع عن البيع والانخفاض يرتبط أساساً بأسهم الذهب، أما حيازة الذهب الحقيقي فتبقى خياراً دفاعياً واستثمارياً في آن واحد".
تاريخياً، مرَّ الذهب بانخفاضات حادة، لكنه يختلف جذرياً عن الفضة من حيث حجم الطلب العالمي عليه وأسبابه. وتمتلك الولايات المتحدة اليوم نحو 8122 طناً من الذهب، ولا تزال تحتسب سعر الأونصة في موازناتها عند 43 دولاراً، كما كان عليه الحال عند فكّ ارتباط الدولار بالذهب في عهد الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون.
في ضوء ذلك، يطرح مستقبل الذهب أسئلة جوهرية حول إمكانية ربطه بالعملات الرقمية أو إعادة ربطه بالدولار، توازياً مع توجه أوروبا والصين ودول الـ "بريكس" إلى تقليص الاعتماد على العملة الأميركية من خلال العملات المحلية والرقمية، فيما تبقى تطورات أسعار النفط، ولا سيما في ظل المتغيرات المتعلّقة بفنزويلا، عاملاً مؤثراً في مسار الدولار، ثمّ الذهب.
خلاصة المشهد، وفق ما يقدمها زياد ناصر الدين: "الصراعات التجارية، واضطراب سلاسل التوريد، والتنافس على الممرات البحرية، إلى جانب الديون والتضخم والحروب، كلّها عوامل ما زالت قائمة بقوة، وتصبّ مجتمعة في تعزيز مكانة الذهب كملاذ آمن استثماريّ، تحكمه في النهاية معادلة العرض والطلب في عالم يزداد اضطراباً".
نبض