"روجافا" وسيناريوات السلام في تركيا
جميل نجار*
أعادت التحوّلات التي شهدها شمالي وشرقي سوريا في الأيام الماضية فتح النقاش حول مستقبل الإدارة الذاتية "روجافا"، التي استمرت سنوات طويلة في الشمال السوري، وأثّرت على مسار السلام في تركيا بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني.
التطورات العسكرية الأخيرة بين دمشق و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، التي أفضت إلى اتفاق هدنة ودمج عناصر "قسد" في الجيش السوري، لم تقتصر آثارها على موازين القوى في الميدان، وإنما امتدت لتؤثر في الأرضية السياسية لمسار الحلّ في أنقرة، في ظل تحوّل السيناريو السوري إلى عامل ضغط مباشر على التوازنات الداخلية، إذ ترافق تصاعد اللهجة التصعيدية في أنقرة مع تحركات المعارضة التي تحذر من انعكاس أي خطأ في الملف السوري على العملية السياسية في داخل تركيا.
أرضية سياسية متغيرة
منذ بداية الأزمة السورية، شكّل وجود "قسد" والإدارة الذاتية في شمالي وشرقي سوريا عنصراً حاسماً في السياسة التركية تجاه الكرد. وقلبت التطورات الأخيرة المعادلة لصالح أنقرة التي أعادت التأكيد على "صوابية قراءتها" لمسار السلام في داخل البلاد.
وأشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موقف تركيا الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، بينما اتخذ شريكه في الحكم، زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، موقفًا أكثر تصعيداً ضد "قسد"، فاتهمها بمخالفة نداء عبد الله أوجلان للابتعاد عن التصعيد العسكري، ومعتبراً أن أي استفزاز في سوريا قد يقوّض مسار السلام الداخلي.
في المقابل، أبدت أحزاب المعارضة الموالية للكرد، وعلى رأسها حزب المساواة والديموقراطية للشعوب "ديم"، موقفاً حذراً داعياً إلى التزام الحوار، ومعتبراً أن أي انحراف عن هذا المسار يُمثل تهديداً مباشراً لفرص السلام في تركيا.
توضح التطورات الأخيرة بأن المسار السياسي في تركيا لم يعد رهيناً بالغموض السوري. فقد أضعفت الأحداث الأخيرة الحجج التي كانت تُستخدم لتأجيل أيّ تقدّم نحو السلام، وأبرزت أن التوازنات العسكرية والسياسية في سوريا بدأت تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض، يمكن استثمارها داخلياً.
بذلك، يُمكن القول إن "العقبة السورية" أمام السلام في تركيا لم تعد مبرّراً كافياً لتأجيل الحوار، وإن هناك مساحة جديدة لإنتاج حلول سياسية تتجاوز الأمن العسكري، لتشمل قضايا الديموقراطية وحقوق الكرد والمشاركة السياسية الواسعة.
يرى الدبلوماسي السابق، والخبير في النزاعات الدولية، أيدين سيزير، أن "مسار السلام سيكتسب زخماً بعد تجاوز عقبة ’قسد‘. منذ اليوم الأول المسار كان مرتبطاً بسوريا، والآن زالت هذه المشكلة".
ويستبعد سيزير في حديثه لـ "النهار" إمكانية عودة حزب العمال الكردستاني إلى العنف، قائلاً إن "الحزب يعرف أن لا جدوى من العودة إلى استخدام القوة. ولم يعد لديه أي إمكانية لبناء علاقات تغذّي العنف ضمن التوازنات الإقليمية".
سيناريوات محتملة لمسار السلام
يمكن تحليل السيناريوات المحتملة لمسار السلام في تركيا من خلال محورين رئيسيين:
- توافق دمشق و"قسد" حول مستقبل المناطق الواقعة تحت سيطرة الأخيرة، ودمج القوات المحلية ضمن الجيش السوري، ما يخفف من المخاطر الأمنية التي كانت تُستخدم كحجة لتأجيل الحوار في الداخل التركي.
- قدرة أنقرة على تحقيق التوازن بين أهداف الأمن الداخلي والواقع الجديد في سوريا، من خلال إعادة تعريف استراتيجياتها بما يتناسب مع التغيّرات الجيوسياسية، ويسمح بتحويل مسار السلام من مجرد أداة أمنية إلى مشروع سياسي شامل، يستند إلى الحوار الديمقراطي وتوسيع الحقوق السياسية للكرد ضمن الدولة التركية.
فإذا نجحت الحكومة التركية في إدارة هذه المعادلة، فإنها تتيح فرصة غير مسبوقة لتحويل ملف السلام من قضية مؤجّلة إلى مشروع وطني متكامل. لكن هذا يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين السلطات التنفيذية، البرلمان، الأحزاب المعارضة، والمنظمات المدنية، لضمان استدامة أي اتفاق.
المخاطر والتحديات
على الرغم من أن المعطيات الجديدة توفّر أرضية أفضل للسلام، فإن هناك تحدّيات كبيرة قد تعيق تقدّم المسار. فقد أظهر الخلاف بين أردوغان وحليفه بهجلي حول أسلوب التعامل مع مسار السلام وجود فجوة استراتيجية في التعاطي مع ملف الكرد. وهذه الفجوة قد تؤثر في وحدة القرار السياسي، وتؤخّر اتخاذ خطوات جريئة.
من جهة أخرى، يحذّر المحلل السياسي التركي أركان أوندومان، في حديثه لـ "النهار"، من أن "بهجلي الذي بنى عقيدته الداعمة للسلام على منع ’القوى الخارجية المتربّصة بتركيا‘، وعلى رأسها إسرائيل، من استغلال الواقع السياسي والاجتماعي للكرد، وإلحاق الأذى بالدولة التركية، قد يجد أن هذه المخاطر اليوم زالت، وبالتالي فإن القاعدة الملحة لتحقيق السلام لم تعد موجودة".
وفي الوقت الذي يسعى فيه حزب العمال الكردستاني لتأمين مكتسباته، فإن أيّ خطوة على طريق السلام تحتاج إلى ضمانات كافية تحمي مصالح الكرد في داخل تركيا، وإلا فستواجه أيّ اتفاق مقاومة شعبية وسياسية.
تؤدي الولايات المتحدة والدول الإقليمية دوراً مباشراً في صوغ مستقبل "قسد" والمناطق الكردية في سوريا، وأي تغير في مواقف هذه القوى قد يعيد فرض قيود جديدة على السياسة التركية الداخلية.
أعادت الأحداث الأخيرة في سوريا تشكيل الأرضية السياسية لمسار السلام في تركيا، وخلقت فرصة لتعزيزه، والذي سيؤدي بدوره إلى تعزيز مكانة تركيا في المنطقة على أساس ديبلوماسي واستراتيجي متوازن.
في المقابل، إضاعة هذه الفرصة أو الاستمرار في الاعتماد على الحجج الأمنية لتأجيل السلام سيزيد من تكلفة العملية مستقبلاً، ويعقد بناء الثقة بين الأطراف، ويترك البلاد أمام موجة جديدة من التوترات السياسية والاجتماعية التي قد تستمر لعقود.
نبض