إعادة تشكيل خرائط النفط
تشكل التوترات الجيو-استراتيجية الهمَّ الخليجيَّ الأبرز. قلقٌ لمسته خلال وجودي في الدوحة. فأسواق النفط العالمية ما عاد يصنعها طلبٌ صينيٌّ متصاعد يقابله عرضٌ تُنسّقه "أوبك"، ويُكمله منتجون من خارجها. لقد دخلت العوامل البنيوية الخارجية اللعبة، فصار صعبا التحكم في مساراتها.
الصين المتحولة إلى الطاقة النظيفة، أعلنت التزامها حتى عام 2030 رفع اعتمادها على الطاقة غير الأحفورية إلى 25% من استهلاكها الأولي، ما يعني تراجعا تدريجيا في اعتمادها على النفط. أميركا تتحكم أكثر في العرض النفطي بأدوات العقوبات وشبكات التمويل والإمداد والتجارة والضربات العسكرية. أمّا العامل الثالث، فيتمثّل في تحوّل دول الخليج إلى "المنتج المرجّح"، في سوقٍ يتباطأ فيها نمو الطلب وتتزايد المخاطر الجيوسياسية. النفط يتحوّل من سلعة نموٍّ يقودها الطلب، إلى سلعة تتأثر بالتحول التكنولوجي وبالهندسات الجيوسياسية للعرض.
صينيا، استقرّت استخدامات النفط في قطاع النقل بفعل التوسع في المركبات الكهربائية، وتحوّل بنية الاقتصاد. ومن المتوقّع أن يتباطأ طلبها على النفط حتى عام 2030، بحيث تصبح الأسعار أقل قابليةً للارتفاع الهيكلي الطويل الأمد بفعل الطلب وحده، وأكثر ارتباطا بعوامل العرض والمخاطر السياسية.
في هذا السياق، لم يعد جوهر الصراع النفطي مرتبطا بمن يملك الاحتياطات، بل بامتلاك القدرة على إدخال النفط إلى السوق. فالعقوبات والصراعات أدواتً مركزية أميركية لإدارة العرض النفطي العالمي. "الصمّامات السياسية" للنفط في يد أميركا، القادرة على إحداث صدمات إيجابية أو سلبية في السوق، بحيث يفوق دورها دور "أوبك" أهمية.
تواجه دول الخليج اليوم جراء ذلك، ضغطا مزدوجا: فمن جهة، تباطؤ طلب صيني يضع سقفا للأسعار. ومن جهة أخرى، نفوذ أميركي يتعاظم للحفاظ على تبادلات النفط بالعملة الخضراء، وقوامه تحكّم في العرض وإدارة للاحتياطات المعطّلة سياسيا. ما زال الخليج يحتفظ بموقعه كمركز ثقل نفطي عالمي بفعل انخفاض كلفة الإنتاج وضخامة الاحتياطات، إلا أنه لم يعد يسعى إلى رفع الأسعار بقدر استقرار السوق.
لذا، فالخليج يعيد تعريف أدواره الاقتصادية وسياساته وعلاقاته. قوته ما عادت تقتصر على التحكّم في الإنتاج النفطي فقط، بل صارت في قدرته على التكيّف لضمان أدواره في خضم مرحلة انتقالية شديدة القسوة.
نبض