ارتفاع اليوروبوند اللبناني: انتعاش مالي أم مضاربة على أنقاض الدولة؟

اقتصاد وأعمال 16-01-2026 | 14:16

ارتفاع اليوروبوند اللبناني: انتعاش مالي أم مضاربة على أنقاض الدولة؟

ارتفاع اليوروبوند اللبناني: انتعاش مالي أم مضاربة على أنقاض الدولة؟
مصرف لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

محمد فحيلي*

سجّلت السندات السيادية اللبنانية المقوّمة بالعملات الأجنبية (اليوروبوند) ارتفاعاً لافتاً، بلغ أعلى مستوياته منذ ست سنوات، أي منذ لحظة تخلّف الدولة عن السداد في آذار 2020. الخبر انتشر بسرعة، ورافقه خطاب متفائل عن "عودة الثقة" و"بداية الخروج من النفق المظلم"، وكأن السوق المالية سبقت الدولة إلى التعافي، وكأن الأرقام على شاشات التداول أصبحت شهادة حسن سلوك للدولة وللسياسات العامة. هنا تحديداً تبدأ مشكلة لبنان المزمنة: تحويل أي "ومضة" إلى حملة تسويق، واستبدال الإنتاجية الفعلية بإنتاجية إعلامية، ثم البناء عليها كإنجاز سياسي. لكن السؤال الجوهري ليس: هل ارتفعت الأسعار؟ بل: لماذا ارتفعت؟ وعلى أي أساس؟ وهل ارتفعت لأن الدولة أنجزت ما عليها إنجازه فعلاً: قانوناً ملزماً، أرقاماً نهائية، مساراً واضحاً، ومؤسسات قادرة على التنفيذ؛ أم ارتفعت لأن السوق التقطت خبراً قابلاً للمضاربة في لحظة شحّ في الفرص في داخل عالم الديون المتعثّرة؟

في أسواق الدين المتعثّر، لا تكون الحركة السعرية دائماً انعكاساً لتحسّن فعلي في الأساسيات الاقتصادية أو المالية. في كثير من الأحيان، تكون مجرد مضاربة على الأخبار، خصوصاً عندما تكون السوق ضيّقة، والسيولة محدودة، والمعلومات ناقصة أو غير محسومة. وهنا، يصبح "الخبر" نفسه أصلاً قابلاً للتداول: مسوّدة قانون، تصريح سياسي، إشارات عن صندوق النقد الدولي، أو حتى قراءات جيوسياسية. أما الدولة، بمؤسساتها وقوانينها وأرقامها وقدرتها على التنفيذ، فتبقى في الخلفية، ضعيفة ومؤجلة، بينما تُقدَّم للناس صورة معاكسة: "السوق تحسّنت، إذن نحن على الطريق الصحيحة".

وهذا تحديداً ما ينطبق على الحالة اللبنانية اليوم: ارتفاعٌ يسبق الحقيقة، وتسويقٌ يسبق الإنتاجية، وخطابٌ يسبق أي تحوّل ملموس في بنية الأزمة. فبين "رالي" السندات والإصلاح الفعلي هناك فجوة كبيرة اسمها: الشفافية، وقابلية التطبيق، والالتزام السياسي، وتحمّل المسؤولية. من دون سدّ هذه الفجوة، يبقى كل ارتفاع قابلاً للانقلاب، وتبقى "عودة الثقة" مجرد عبارة تُستعمل محلياً أكثر مما تُقاس دولياً. 

الحديث عن مشروع قانون جديد لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مع إشارات سياسية عن "كسر الجمود" و"الالتزام بشروط صندوق النقد الدولي"، شكّل مادة خصبة للمضاربين. أضيف إلى ذلك عامل جيوسياسي شديد الحساسية: تطورات إيران، ومستقبل نفوذ حزب الله، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من إعادة توازن داخلي في لبنان. هذه العناصر مجتمعة تحوّلت إلى سردية قابلة للتداول في الأسواق، لا إلى خطة إصلاح مكتملة. 

ما نشهده إذن ليس إعادة تسعير مبنية على حسابات واضحة لقيمة الاسترداد (Recovery Value)، بل رهان على الاحتمالات. المستثمر الذي يشتري اليوم لا يملك تصوراً نهائياً عن حجم الخسائر، ولا عن تسلسل الحقوق، ولا عن الجدول الزمني لإعادة الهيكلة، ولا حتى عن الصيغة النهائية للقوانين المقترحة. هو يشتري "خياراً سياسياً"، لا أداة دين ذات تدفقات نقدية معروفة. 

 

الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة. (أ ف ب)
الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة. (أ ف ب)

 

وهنا يجب التمييز بوضوح: السوق لا "تصدّق" الدولة اللبنانية، بل تستغل هشاشتها. والأهم أن "السوق" التي نراها اليوم ليست هي نفسها تركيبة الدائنين التي كانت قائمة قبل التعثر. فهناك فارق جوهري بين الدائنين الأصليين، حملة اليوروبوند التقليديين الذين دخلوا على أساس دولة قائمة بالتزاماتها، وبين جزء كبير من الحيازة الحالية التي انتقلت، بعد التعثر غير المنظّم في آذار 2020، إلى صناديق استثمار متخصصة بالديون المتعثرة اشترت السندات بخصومات حادة، لا بدافع الإقراض بل بدافع الاصطياد. 

في حالات الإفلاس السيادي، ترتفع الأسعار أحياناً لا لأن الدولة أصبحت أقوى، بل لأن بعض هذه الصناديق ترى فرصة لتحقيق أرباح سريعة عبر "تسييل الخبر": الدخول عند موجة التفاؤل والخروج عند أول تعثر سياسي أو تشريعي، مستفيدة من ضيق السوق وضعف السيولة وسهولة دفع الأسعار صعوداً أو هبوطاً. وهذا سلوك معروف في عالم الديون المتعثرة. ليس بالضرورة سلوكاً شريراً، لكنه سلوك مصلحي لا علاقة له ببناء اقتصاد أو استعادة ثقة أو حماية مودعين. لذلك، لا يجوز قراءة الرالي كعلامة تعافٍ، بل كإشارة إلى أن لبنان أصبح - للأسف - أصلًا قابلاً للمضاربة، لا دولة استعادت قدرتها على الوفاء. والخطير أن هذا النوع من التداول قد ينتج مكاسب على الورق للمضاربين، فيما يبقى أصحاب الحقوق داخل لبنان، وفي مقدّمهم المودعون، خارج أي جدول زمني واضح للاسترداد.

الأكثر دلالة أن بعض المستثمرين أنفسهم، رغم مشاركتهم في هذا الصعود، يقرّون علناً بأن القيمة النهائية المتوقعة في أي إعادة هيكلة قد تكون أدنى من الأسعار الحالية. بمعنى آخر، السوق تصعد بينما القناعة الاستثمارية الحقيقية غائبة. أما مشروع القانون المصرفي، الذي يُقدَّم اليوم كمنقذ محتمل، فهو لا يزال مسوّدة، ومعرّض للتعديل، للتفريغ، أو حتى للتعطيل تحت ضغط اللوبيات المصرفية والتجاذبات السياسية. والأسوأ أنّ أيّ قانون، مهما كان جيّداً على الورق، فلن يكون ذا قيمة إن لم يُرفق بأرقام شفافة، وباعتراف واضح بحجم الخسائر، وبخريطة توزيع عادلة لها.

لا يمكن بناء ثقة الأسواق على النوايا، ولا على التسريبات، ولا على إشارات إيجابية. الثقة تُبنى عندما تتحول النصوص إلى أثر، وعندما يصبح المسار غير قابل للارتداد مع كل تغيير سياسي أو أمني. من هنا، فإن ربط ارتفاع اليوروبوند اللبناني بـعودة الثقة فيه قدر كبير من التضليل. الثقة لا تعود عبر شاشة التداول، بل عبر دولة تحترم حقوق الملكية، وتلتزم بالقانون، وتضع حداً لاستخدام الغموض كأداة حكم. ما نراه اليوم هو تسعير للضبابية، لا اختراق لها.

الخطر الأكبر أن يُساء فهم هذا الارتفاع داخلياً، كأن يُستخدم دليلاً وهمياً على نجاح السياسات، أو كذريعة لتأجيل القرارات الصعبة، أو كوسيلة ضغط إضافية على المودعين بحجة أن السوق تتحسّن. في الواقع، السوق لا تُنقذ المودعين، ولا تُصلح المصارف، ولا تُعيد بناء الدولة.

اليوروبوند قد ترتفع، وقد تنخفض غداً. هذا شأن المضاربين. أما لبنان، فمشكلته أعمق بكثير: غياب المسار القانوني والمالي الواضح. من دون قانون مُلزم، وأرقام نهائية، وهيكلة عادلة، ومساءلة حقيقية، سيبقى كل ارتفاع موقتاً، وكل تفاؤل هشّاً، وكل "رالي" مجرد موجة عابرة فوق أنقاض أزمة لم تُحل بعد. 

الخلاصة بسيطة وقاسية في آن، ما يجري في سوق اليوروبوند اليوم هو حركة سوق، لا حركة دولة. ومن يخلط بين الاثنين، يبيع وهماً لا أملاً.


* باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 1/15/2026 4:26:00 AM
جاء في رسالة رضا بهلوي: "تتطابق صورة إيران في أذهانكم مع الإرهاب والتطرف والفقر. لكن إيران الحقيقية مختلفة. لذا، دعوني أوضح كيف ستتصرف إيران الحرة تجاه جيرانها والعالم بعد سقوط هذا النظام".
ايران 1/15/2026 9:20:00 PM
مزاعم عن اعتقال روحاني وظريف في طهران
"ثمّة خطر كبير بأن يصبح المتقدّمون من هذه الدول عبئاً عاماً وأن يعتمدوا على موارد الحكومة المحلية وحكومات الولايات والحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة"
سياسة 1/15/2026 6:13:00 PM
القضاء اللبناني يدعي على أربعة أشخاص بتهمة "التواصل" مع الموساد