الطاقة المتجددة ركيزة النظام العالمي الجديد: مدير عام آيرينا يتحدث لـ"النهار" عن مخرجات أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026
في وقت لم تعد فيه عملية التحول العالمي في قطاع الطاقة خياراً، بل ضرورة ملحّة تفرضها التحديات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية، شكّل أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026 منصة محورية لجمع قادة العالم وصنّاع القرار وخبراء الطاقة بهدف تحويل الطموحات المناخية إلى خطوات عملية وملموسة.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا – IRENA)، فرانشيسكو لا كاميرا، في حديث إلى "النهار"، أن العالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في نشر قدرات الطاقة المتجددة، ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في شكل النظام الطاقوي العالمي.
وقال لا كاميرا: "في العام الماضي كنا نتحدث عن رقم قياسي بلغ نحو 470 غيغاواط من القدرات المتجددة المركبة في عام 2023. وارتفع هذا الرقم إلى 582 غيغاواط في عام 2024، ونتوقع أن يكون عام 2025 سجل رقماً قياسياً جديداً قد يصل إلى نحو 700 غيغاواط". وأضاف أن هذه الأرقام تؤكد بوضوح أن الطاقة المتجددة باتت القوة المهيمنة في نظام الطاقة المستقبلي".
ويكتسب أسبوع أبوظبي للاستدامة أهمية خاصة بالنسبة إلى آيرينا، إذ يتزامن مع انعقاد جمعيتها العمومية. واعتبر لا كاميرا أن الجمعية العامة هذا العام شكّلت محطة مفصلية، لا سيما في ظل تسجيلها مشاركة قياسية، خصوصاً على المستوى الوزاري. وقال: "ما لمسناه خلال اللقاءات الثنائية مع الوزراء هو إيمان جماعي بأن الطاقة المتجددة لم تعد خياراً ثانوياً، بل مسار حتمي. الجميع يسأل اليوم كيف يمكن تسريع التنفيذ، وكيف يمكن لآيرينا أن تدعم الدول في هذا الاتجاه".
غير أن هذا التقدم، بحسب لا كاميرا، لا يسير بوتيرة متكافئة في مختلف مناطق العالم. فهناك مناطق، ولا سيما أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء واسعة من القارة الأفريقية، إضافة إلى جنوب شرق آسيا، لا تزال مهددة بالتخلّف عن مسار التحول الطاقوي. من هنا، شدد على ضرورة إعادة النظر في آليات التعاون الدولي، داعياً إلى الابتعاد عن المقاربات "الافتراسية" في التعامل مع الدول الغنية بالمعادن الحيوية، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء شراكات صناعية تتيح لهذه الدول تصنيع مواردها محلياً والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة.
وأشار لا كاميرا إلى أن أحد أبرز مخرجات أسبوع أبوظبي للاستدامة والجمعية العامة لآيرينا كان التوافق المتزايد حول أهمية تطوير شبكات الكهرباء، وتعزيز الترابط والمرونة وقدرات موازنة الأنظمة الطاقوية. وهي قضايا كانت آيرينا تطرحها منذ سنوات، وأصبحت اليوم محوراً مشتركاً للنقاش بين الحكومات والقطاع الخاص. كما شهد الأسبوع فعاليات متخصصة تناولت الطاقة الحرارية الجوفية، والمساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، إضافة إلى لقاءات جمعت الشركات الخاصة وصنّاع القرار لبحث سبل تسريع التحول الطاقوي.

ولفت لا كاميرا إلى أن أهمية الطاقة المتجددة لم تعد محصورة بالبعد المناخي فحسب، بل باتت عنصراً أساسياً في تعزيز أمن الطاقة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق النفط واحتمالات النزاعات التجارية. وقال: "الأنظمة الطاقوية القائمة على مصادر متجددة ولا مركزية تضمن كهرباء أكثر استقراراً وتخفف من تأثير الصدمات الخارجية، ما يجعلها خياراً استراتيجياً للمستقبل".
وعلى الصعيد الاقتصادي، شدد لا كاميرا على أن تنافسية الاقتصادات خلال العقد المقبل وما بعده ستتحدد إلى حد كبير بقدرة أنظمتها الطاقوية على توفير الطاقة بأدنى كلفة ممكنة. وأضاف أن الطاقة المتجددة لم تعد فقط الأنظف بيئياً، بل أيضاً الأكثر جدوى من حيث الكلفة. أما اجتماعياً، فهي تتيح تلبية احتياجات المجتمعات الريفية والنائية، وتوفر فرص عمل تفوق بثلاثة أضعاف تلك التي يوفرها قطاع الوقود الأحفوري لكل وحدة استثمار، فضلاً عن دورها في تعزيز التوازن بين الجنسين في سوق العمل.
وختم لا كاميرا بالقول: "الطاقة المتجددة ليست مجرد أداة لمكافحة تغيّر المناخ، بل هي ركيزة لأمن الطاقة، ومحرك للتنافسية الاقتصادية، وأساس لتحقيق العدالة الاجتماعية. ولهذا السبب، فهي الحل للعديد من التحديات التي يواجهها العالم اليوم".
ومع اختتام أعمال أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، تتكرّس رسالة واضحة: زخم التحول الطاقوي العالمي يتصاعد، غير أن تحويل الالتزامات إلى تنفيذ فعلي وشامل، ولا سيما في الدول النامية، يبقى التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة.
نبض