فنزويلا بين التحولات السياسية وأسواق الطاقة العالمية
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، عاد ملف فنزويلا ليحتل موقعاً متقدماً في نقاشات أسواق الطاقة العالمية، بعدما أصبحت التطورات السياسية والأمنية في البلاد عاملاً مباشراً يؤثر في مستقبل إنتاج النفط وتوازنات السوق وخيارات الشركات الدولية، ولا سيما الأميركية منها. ولم يعد هذا التطور شأناً داخلياً، بل بات جزءاً من مشهد أوسع لإعادة رسم النفوذ في واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، إلا أن هذا الثقل الجيولوجي يتناقض مع واقع إنتاجي هش، نتيجة عقود من سوء الإدارة والفساد والعقوبات الدولية والعزلة الاقتصادية. فقد تراجع الإنتاج من أكثر من 3 ملايين برميل يومياً في أواخر التسعينيات إلى ما بين 700 و900 ألف برميل يومياً خلال عامي 2024 و2025، أي ما يقارب 1% فقط من الإمدادات العالمية، بعد أن كانت البلاد تؤمّن نحو 5% من الإنتاج العالمي في السابق.
تفتح المستجدات السياسية الأخيرة الباب أمام إعادة تقييم شاملة لمستقبل القطاع النفطي الفنزويلي، وسط توقعات بعودة تدريجية للاستثمارات الأجنبية، ولا سيما من الشركات الأميركية. ويُنظر إلى هذا الاحتمال على أنه جزء من مساعٍ أوسع لدعم الاقتصاد الفنزويلي المنهك، وفي الوقت نفسه تخفيف الضغوط الهيكلية على سوق الطاقة العالمية، خاصة في ظل حساسية الإمدادات وتقلب الأسعار.
تاريخياً، شكّل ملف التأميم نقطة تحول مفصلية في علاقة فنزويلا بشركات النفط الدولية. ففي عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، جرى تأميم أجزاء واسعة من القطاع، وأُجبرت الشركات الأجنبية على قبول حصص أقل في المشاريع دون تعويضات كافية، ما أدى إلى انسحاب شركات كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، اللتين ما زالتا تطالبان بتعويضات مالية كبيرة عبر مسارات قانونية دولية.
في المقابل، اختارت شركة شيفرون الأميركية البقاء في فنزويلا، مستفيدة من استثناءات محدودة من العقوبات، وهو ما منحها موقعاً مختلفاً مقارنة بباقي المنتجين الأميركيين. هذا الرهان طويل الأجل جعلها اليوم في موقع متقدم للاستفادة من أي انفتاح محتمل في القطاع، إذا استقرت الأوضاع السياسية وتوافرت أطر تنظيمية أكثر وضوحاً.
اقتصادياً، يبرز النفط الفنزويلي كعنصر مهم بالنسبة للولايات المتحدة، ليس فقط من زاوية حجم الاحتياطيات، بل من حيث النوعية. فنحو 70% من مصافي التكرير الأميركية صُممت لمعالجة النفط الثقيل، في حين يتركز الإنتاج الأميركي المحلي على النفط الخفيف الصخري، ما يمنح خام فنزويلا الثقيل جداً قيمة تقنية واستراتيجية خاصة.

ورغم هذه الأهمية، فإن إعادة إحياء القطاع النفطي الفنزويلي تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تدهور البنية التحتية، وضعف القدرات التشغيلية لشركة النفط الوطنية، ووجود ديون ضخمة ومخاطر قانونية وسياسية مستمرة. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية متخصصة إلى أن رفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يومياً يتطلب استثمارات تتجاوز الـ 100 مليار دولار، على مدى خمس سنوات على الأقل، في حين أن العودة إلى مستويات تقارب الـ 3 ملايين برميل يومياً قد تتطلب استثمارات تقترب من الـ 200 مليار دولار، على مدى زمني أطول.
من ناحية الأسواق، تشير بعض التقديرات إلى أن أي زيادة كبيرة ومستدامة في الإنتاج الفنزويلي قد تشكل ضغطاً هبوطياً على أسعار النفط العالمية على المدى الطويل، في وقت تركز فيه شركات الطاقة العالمية على الانضباط الرأسمالي، وتعظيم العوائد، بدلاً من التوسع السريع، ما قد يحدّ من شهية المخاطرة.
في المقابل، تبرز جوانب إيجابية محتملة على المدى المتوسط والطويل، إذ قد تمتد الاستفادة من إعادة تنشيط القطاع إلى مصافي التكرير وشركات الخدمات النفطية، إضافة إلى قطاعات الموارد الطبيعية الأخرى، نظراً لامتلاك فنزويلا احتياطيات كبيرة من الذهب والفحم. لكن تحقق هذه المكاسب يبقى مشروطاً باستقرار سياسي فعلي، وتسوية ملفات الديون والتعويضات، ووضع أطر تنظيمية واضحة ومستقرة.
في المحصلة، يقف قطاع النفط الفنزويلي عند تقاطع السياسة والاقتصاد والطاقة. وبين الطموحات السياسية بإعادة دمج فنزويلا في سوق الطاقة العالمية، والواقع الميداني المثقل بتحديات هيكلية عميقة، يبقى مسار التعافي طويلاً ومعقداً، ويتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة ودرجة عالية من الاستقرار المؤسسي.
نبض