كيف يُمهّد التضخم وانهيار العملة والعقوبات لاحتجاجات إيران المتكررة؟

اقتصاد وأعمال 09-01-2026 | 08:05

كيف يُمهّد التضخم وانهيار العملة والعقوبات لاحتجاجات إيران المتكررة؟

ما تشهده إيران ليس أزمة عابرة، بل نتيجة نموذج اقتصادي مأزوم: عملة ضعيفة، وتضخم مزمن، ونمو محدود، وعقوبات خانقة.
كيف يُمهّد التضخم وانهيار العملة والعقوبات لاحتجاجات إيران المتكررة؟
متظاهر إيراني يرفع شاراتي النصر خلال تظاهرات في همدان، إيران، في الأول من يناير. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعد الاحتجاجات في إيران ظاهرة طارئة أو مرتبطة فقط بأحداث سياسية محددة، بل باتت تعبيراً متكرراً عن اختلالات اقتصادية عميقة تتراكم على مدى سنوات. فالعوامل الاقتصادية – من انهيار العملة ومعدل التضخم المرتفع إلى ضعف النمو والعقوبات الدولية – تشكّل الأرضية الصلبة التي تسمح لأي شرارة اجتماعية أو سياسية بأن تتحول سريعاً إلى موجة غضب واسعة.

أحدث موجات التوتر جاءت في سياق تراجع حاد في سعر صرف الريال. بحسب تقارير دولية، لامس سعر الدولار في السوق الموازية مطلع عام 2026 حدود 1.4-1.5 مليون ريال، وهو مستوى قياسي تاريخياً. وتشير وكالة "رويترز" إلى أن الريال فقد أكثر من 90 في المئة من قيمته منذ إعادة فرض العقوبات الأميركية في عام 2018. هذا الانهيار لا يبقى مسألة مالية مجردة، بل ينعكس فوراً على الأسعار في اقتصاد يعتمد جزئياً على الاستيراد، سواء للسلع الاستهلاكية أو لمستلزمات الإنتاج.

التضخم هو القناة الأكثر إيلاماً لانتقال الأزمة إلى المجتمع. وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ متوسط التضخم في إيران نحو 41 في المئة في عام 2023، مع تسجيل معدلات أعلى في فترات لاحقة. وتُظهِر بيانات منشورة عبر منصات اقتصادية دولية أن معدل التضخم السنوي اقترب من 49 في المئة في خريف 2025. صندوق النقد الدولي يتوقع أيضاً استمرار متوسط التضخم فوق 40 في المئة في عام 2026، ما يعني أن فقدان القوة الشرائية ليس ظرفاً مؤقتاً بل حالة شبه دائمة.

 

متظاهرون يلوحون بأعلام إيران ما قبل الثورة الإسلامية في تظاهرة ضد قمع النظام الإيراني بباريس، 4 يناير 2026. (أ ف ب)
متظاهرون يلوحون بأعلام إيران ما قبل الثورة الإسلامية في تظاهرة ضد قمع النظام الإيراني بباريس، 4 يناير 2026. (أ ف ب)

 

هذه الأرقام تفسّر لماذا يشعر الإيرانيون بأن الأجور "تتبخر". حتى مع زيادات اسمية في الرواتب، تبقى الأجور الحقيقية في تراجع مستمر. وفق تقارير إعلامية تستند إلى بيانات رسمية إيرانية، ارتفعت الإيجارات في طهران بنحو 34 في المئة على أساس سنوي في إحدى الفترات الأخيرة، بينما ازدادت أسعار الغذاء بوتيرة أسرع من متوسط التضخم العام. بعض التقديرات الإعلامية نقلت عن مسؤولين في قطاعات تجارية أن أسعار الغذاء سجلت زيادات تجاوزت 60 إلى 70 في المئة خلال سنة في فترات معينة، مع اختلاف الأرقام بحسب تركيبة السلة الغذائية والفترة، ما يعكس شدة الضغط المعيشي.

أما العقوبات الدولية فتشكّل الإطار الأوسع لهذه الأزمة. هي تقيّد صادرات النفط، وتعرقل تدفقات العملات الصعبة، وترفع تكلفة التجارة والتمويل. وفق صندوق النقد، لم يتجاوز النمو الاقتصادي الإيراني في السنوات الأخيرة معدلات متواضعة تراوحت غالباً بين اثنين وثلاثة في المئة، مع توقع تباطؤ واضح إلى ما دون واحد في المئة هذا العام. هذا النمو الضعيف لا يكفي لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ولا لتعويض خسائر سنوات الركود، ويحدّ في الوقت نفسه من قدرة الدولة على زيادة الإنفاق الاجتماعي من دون اللجوء إلى "تمويل تضخمي" (أي طباعة نقود بدل تأمين تمويل).

سوق العمل تعكس بدورها عمق المأزق. بينما تُظهِر الإحصاءات الرسمية معدلات بطالة عامة أقل من خانة العشرات في بعض الفترات، تؤكد البيانات أن بطالة الشباب أعلى بكثير. وتشير تقارير رسمية إلى أن بطالة الفئة العمرية 16-24 سنة تدور حول 19 في المئة، وهو ما يفسر الحضور القوي للشباب في الاحتجاجات. إلى جانب ذلك، تتكرر تحركات عمالية بسبب تأخر تسديد الأجور أو تراجع قيمتها الحقيقية، ما يضيف طبقة دائمة من الاحتقان الاقتصادي.

إصلاح دعم الطاقة كان تاريخياً أحد أكثر الملفات حساسية. في احتجاجات تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أدت زيادة أسعار البنزين – التي وصلت بحسب "رويترز" إلى نحو 200 في المئة لبعض الفئات – إلى انفجار غضب واسع. ومنذ ذلك الحين، أصبح أي تعديل في أسعار الوقود أو نظام الحصص يُستقبَل بريبة شديدة، لأن تكلفة النقل تنعكس سريعاً على أسعار الغذاء والخدمات.

صحيح أن بعض موجات الاحتجاج، مثل تلك التي اندلعت في عام 2022، انطلقت من قضايا اجتماعية وسياسية واضحة، لكن الاقتصاد كان دائماً العامل الذي وسّع رقعتها. فمعدل التضخم المرتفع، وانهيار العملة، وضعف فرص العمل تجعل قطاعات واسعة تشعر بأن تكلفة الصمت أعلى من تكلفة الاحتجاج.

في الخلاصة، ما تشهده إيران ليس أزمة عابرة، بل نتيجة نموذج اقتصادي مأزوم: عملة ضعيفة، وتضخم مزمن، ونمو محدود، وعقوبات خانقة. ومن دون معالجة هذه الجذور – عبر استقرار نقدي حقيقي، إصلاحات شفافة، وتحسين فرص العمل – ستبقى الاحتجاجات قابلة للتجدد، لأن الأسباب الاقتصادية التي تغذيها لا تزال قائمة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/8/2026 6:16:00 AM
لا يجري الحديث عن تحالف، بل عن "اتفاقية تنسيق أمني".
المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس