النحاس في 2026: فرصة هيكلية أم صعود مبكر؟

اقتصاد وأعمال 11-01-2026 | 22:53

النحاس في 2026: فرصة هيكلية أم صعود مبكر؟

في عام 2025، بدا وكأن النحاس غائب عن العناوين الرئيسية رغم أدائه القوي.
النحاس في 2026: فرصة هيكلية أم صعود مبكر؟
نحاس (وكالات)
Smaller Bigger

بينما كانت كل الأنظار موجّهة نحو الذهب والفضة في عام 2025، في ظل الارتفاعات القياسية للذهب والاندفاع القوي نحو الفضة باعتبارها مزيجاً بين معدن صناعي وأداة تحوّط، كان النحاس يتحرّك بهدوء في الخلفية، مبنياً اتجاهه تدريجياً من دون ضجيج. ومع الدخول في الأيام الأولى من عام 2026، بدأ هذا المعدن يخرج من الظل ليتحوّل تدريجيًا إلى أحد أبرز الأصول في دائرة الاهتمام الاستثماري، خصوصًا مع التحوّل العالمي في الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي، وهي تحوّلات يصعب تحققها دون ما يمكن تسميته "معدن الاقتصاد الحقيقي".

 

في عام 2025، بدا وكأن النحاس غائب عن العناوين الرئيسية رغم أدائه القوي. والسبب في ذلك لا يعود إلى ضعف في الأساسيات، بل إلى هيمنة الذهب على المشهد الاستثماري مدعوماً بسياسات نقدية أقل تشدداً، وارتفاع منسوب المخاطر الجيوسياسية، وتسارع مشتريات البنوك المركزية. في الوقت نفسه، جذبت الفضة اهتمام المستثمرين باعتبارها أداة مزدوجة تجمع بين التحوّط النقدي والاستخدام الصناعي، خصوصاً في قطاعات الطاقة النظيفة. هذا التركيز المكثّف على المعدنين النفيسين جعل النحاس يبدو، للوهلة الأولى، مجرد معدن صناعي تقليدي مرتبط بدورات النمو الاقتصادي، رغم أنه سجّل ارتفاعاً يناهز 40% خلال العام ولامس قمماً تاريخية جديدة في النصف الثاني من 2025.

 

على مستوى الإمدادات، أصبح من الواضح أن العالم يواجه قيوداً هيكلية يصعب تجاوزها، خصوصاً مع التراجع المستمر في درجات الخام في العديد من المناجم الكبرى، في حين بات تطوير مناجم جديدة أكثر تعقيداً بسبب القوانين البيئية الصارمة، وارتفاع تكاليف التمويل، وطول دورة الاستثمار التي قد تمتد إلى عدة سنوات قبل الوصول إلى الإنتاج الفعلي. هذه المعطيات جعلت سوق النحاس هشّة بطبيعتها، بحيث يصبح أي اضطراب تشغيلي أو عمالي عاملاً كافياً لإحداث صدمة سعرية، حتى في غياب تغيّر جوهري في الطلب الآني.

 

في المقابل، تغيّرت طبيعة الطلب على النحاس جذرياً، إذ لم يعد مرتبطاً فقط بالنمو الصناعي التقليدي أو بقطاع العقارات، بل انتقل إلى طلب هيكلي طويل الأجل تقوده توسعة شبكات الكهرباء، ومشاريع الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتكمن أهمية هذا التحول في أن هذا النوع من الطلب أقل حساسية لدورات الركود التقليدية، وأكثر ارتباطاً باستثمارات استراتيجية يصعب تأجيلها حتى في فترات التباطؤ الاقتصادي.

 

أما الصين، التي لطالما كانت اللاعب الأهم في سوق النحاس، فقد لعبت دور عامل التوازن الحذر. فعلى الرغم من التباطؤ الواضح في قطاع العقارات، حافظت بكين على مستوى طلب مستقر نسبياً من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتحديث شبكات الطاقة والنقل، إضافة إلى سيطرتها على جزء كبير من سلاسل التكرير العالمية. هذا السلوك أسهم في الحد من المخاطر السلبية ومنع أي انهيار سعري حاد، رغم الضغوط الاقتصادية الداخلية.

 

ومع نهاية عام 2025 والدخول في الأسبوع الأول من عام 2026، بدأت تظهر إشارات مبكرة على انتقال النحاس من مرحلة البناء الهادئ إلى مرحلة أكثر حساسية للأخبار والتطورات. فالسوق التي تعاني أصلًا من هشاشة في العرض باتت سريعة التفاعل مع أي مؤشرات تتعلق بالإضرابات أو المشكلات التشغيلية في المناجم الكبرى، ما أعاد تسعير مخاطر النقص بشكل استباقي. وفي الوقت نفسه، أدت المخاوف المرتبطة بالرسوم أو القيود التجارية المحتملة على واردات النحاس إلى الولايات المتحدة إلى تحركات مبكرة على صعيد المخزونات، مع تسريع بعض الشحنات وظهور تشوّهات أولية في التدفقات العالمية.

 

ويبرز في هذا السياق الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كعنصر مستقل في معادلة النحاس. فهذا القطاع يستهلك كميات كبيرة من النحاس في الكابلات، والمحوّلات، وأنظمة الطاقة والتبريد، وهو طلب لا يتأثر كثيراً بتقلبات الفائدة أو المزاج الاقتصادي قصير الأجل، بل يرتبط باستثمارات تمتد لسنوات، ما يعزّز الطابع الهيكلي للدورة الحالية.

 

نحاس (وكالات)
نحاس (وكالات)

 

 

 

في السيناريو الإيجابي، يستمر العالم في ضخ استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وتحديثها بما يتناسب مع التحوّل نحو الطاقة النظيفة والرقمنة، وهو مسار لا يرتبط فقط بالأهداف المناخية، بل أيضاً بمتطلبات الأمن الطاقي والقدرة التنافسية الاقتصادية. ومع الأخذ في الاعتبار أن تطوير مناجم جديدة يحتاج إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري، تبقى فجوة العرض قائمة، ما يجعل أي تصحيحات سعرية محتملة حركات صحية ضمن اتجاه صاعد طويل الأمد.

 

أما السيناريو الحذر، فيفترض أن يواجه الاقتصاد العالمي صدمة أعمق من المتوقع، سواء عبر ركود متزامن في الاقتصادات الكبرى أو تشديد مالي مفاجئ يعيد تسعير الأصول عالية المخاطر. في مثل هذا المناخ، قد تظهر فترات تهدئة أو تصحيحات أعمق في أسعار النحاس. غير أن الفارق الجوهري مقارنة بالدورات السابقة يكمن في طبيعة الطلب ذاته، إذ إن الجزء الأكبر من الطلب الجديد مرتبط باستثمارات بنيوية يصعب إيقافها أو عكس مسارها بسرعة، ما يجعل أي تراجع محتمل أقرب إلى تصحيح مؤقت لا إلى بداية سوق هابطة ممتدة.

 

اللافت في هذه المرحلة المبكرة من عام 2026 أن أسهم شركات التعدين بدأت، في كثير من الأحيان، تسبق المعدن نفسه في التسعير، في إشارة إلى أن السوق المالية تستوعب مبكراً فكرة الندرة الهيكلية وطول دورة الاستثمار. هذا السلوك يعكس انتقال التركيز من المضاربة قصيرة الأجل إلى إعادة تموضع استراتيجي، تُقيَّم فيه الشركات ليس فقط على أساس أرباحها الحالية، بل وفق جودة أصولها، وعمر مناجمها، وقدرتها على النمو في بيئة تنظيمية وبيئية أكثر تعقيداً.

 

وقد انعكس هذا التحول الهيكلي بوضوح على الأسواق المالية، ولا سيما على صناديق المؤشرات المتداولة وأسهم شركات التعدين. فقد برز Global X Copper Miners ETF كأحد أبرز الأدوات للتعرّض المباشر لقطاع تعدين النحاس، فيما يُنظر إلى iShares MSCI Global Metals & Mining Producers ETF كخيار أوسع يمنح انكشافاً متنوعاً على قطاع المعادن مع وزن مهم للنحاس. وعلى صعيد الأسهم، أصبحت شركات مثل Freeport-McMoRan وSouthern Copper في صلب هذا التحول، إلى جانب عمالقة التعدين مثل BHP وRio Tinto، حيث بات النحاس عنصراً استراتيجياً متزايد الأهمية في محافظها، فيما تحظى شركات متوسطة الحجم مثل Teck Resources بمتابعة دقيقة نظراً لقدرتها على الاستفادة من أي دورة صعودية ممتدة مع مرونة تشغيلية أعلى.

 

في المحصلة، فإن بداية صعود النحاس مع مطلع 2026، في بيئة نمو عالمي لا تزال غير مستقرة، لا ينبغي قراءتها كحركة مبالغ فيها أو فقاعة وشيكة، بل كإشارة أولية إلى أن السوق بدأت تعيد تعريف القيمة الحقيقية لهذا المعدن. وبينما تبقى التقلبات حاضرة، فإن الاتجاه الأكبر يبدو مرتبطاً بدورة جديدة عنوانها الندرة، والاستثمار طويل الأجل، وإعادة تسعير الموارد الأساسية للاقتصاد العالمي، ما يضع النحاس في قلب معادلة اقتصاد المستقبل.

(*) كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro، محاضر جامعي في لبنان وفرنسا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/11/2026 12:29:00 PM
في مراحل مختلفة، لجأ حزب الله،  إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم
لبنان 1/10/2026 11:53:00 PM
هزة أرضية شعر بها سكان بيروت
حارس مادورو: "في لحظة ما، أطلقوا شيئاً لا أعرف كيف أصفه، كان يشبه موجة صوتية مكثفة للغاية، شعرت فجأة وكأن رأسي ينفجر من الداخل"