لماذا تجاهل الذهب التوتّرات السياسية واستمرّت عمليات التصحيح؟

اقتصاد وأعمال 11-01-2026 | 22:53

لماذا تجاهل الذهب التوتّرات السياسية واستمرّت عمليات التصحيح؟

يجب إدراك حقيقة أساسية في الأسواق المالية: إنها لا تتحرّك بناءً على الأخبار فقط، بل على ما هو مُسعَّر مسبقاً. 
لماذا تجاهل الذهب التوتّرات السياسية واستمرّت عمليات التصحيح؟
أونصات ذهب (وكالات)
Smaller Bigger

لطالما ارتبط الذهب في أذهان المستثمرين بكونه “ملاذاً آمناً” في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري، يتوقع الكثيرون ارتفاع أسعار الذهب تلقائياً. لكن ما نشهده في الفترات الأخيرة هو عكس ذلك تماماً: توترات سياسية واضحة، ومع ذلك استمرت أسعار الذهب في عمليات تصحيح وتذبذب ملحوظة. فما الذي يحدث فعلاً؟

 

أولاً، يجب إدراك حقيقة أساسية في الأسواق المالية: إنها لا تتحرك بناءً على الأخبار فقط، بل على ما هو مُسعَّر مسبقاً. في كثير من الأحيان، تكون التوترات السياسية متوقعة، وقد تم تسعير تأثيرها على الذهب قبل وقوعها فعلياً. وعندما يقع الحدث المنتظر من دون مفاجآت كبيرة، تبدأ عمليات جني الأرباح، فيظهر التصحيح بدلاً من الارتفاع.

 

ثانياً، العامل الأكثر تأثيراً حالياً على الذهب ليس السياسة، بل السياسة النقدية الأميركية. الاحتياطي الفيدرالي يقف في قلب المشهد، وكل تحركات الذهب تقريباً أصبحت مرتبطة بتوقعات أسعار الفائدة وعوائد السندات وقوة الدولار.
عندما ترتفع توقعات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تتراجع رهانات خفض الفائدة، يتعرّض الذهب لضغوط مباشرة، لأنه أصل لا يدرّ عائداً. في المقابل، أي إشارات واضحة من الفيدرالي نحو التيسير النقدي أو خفض الفائدة تعيد الزخم الصاعد للذهب بسرعة.

 

أونصات ذهب (وكالات)
أونصات ذهب (وكالات)

 

السؤال الأهمّ...  هل ما سيأتي من الاحتياطي الفيدرالي سيؤثر فعلاً على أسعار الذهب؟

الإجابة: نعم، وبقوة. ليس فقط القرار نفسه، بل لغة الخطاب، نبرة التصريحات، وتوقعات الأسواق المستقبلية. أحياناً لا يغيّر الفيدرالي الفائدة، لكن مجرد تغيير بسيط في لهجة البيان أو المؤتمر الصحافي كفيل بتحريك الذهب بعشرات الدولارات.

 

ثالثاً، لا يمكن تجاهل الجانب النفسي في الأسواق. الأسواق حالياً تتحرك بشكل حساس جداً بناءً على عواطف المستثمرين: الخوف، الطمع، والاندفاع. ومع انتشار الأخبار السريعة ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الشائعات جزءاً أساسياً من حركة الأسعار.

 

التداول على الشائعات قبل البيانات أو الأحداث الكبرى يؤدي إلى تذبذبات حادة، وغالباً ما نرى حركة قوية قبل الخبر، ثم انعكاساً مفاجئاً بعد صدوره، لأن السوق كان قد “سبق الحدث”.

 

أداء أسعار الذهب في 2025: صعود قياسي رغم الأحداث العنيفة
إذا رجعنا إلى العام الماضي (2025)، نجد واحدة من أكثر السنوات جدلاً في تاريخ الذهب الحديث. في بداية العام كان المستثمرون يترقبون الأحداث السياسية الكبرى، من التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلى الأخطار الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا، وكأن كل حدث سياسي كان كفيلاً بدفع الذهب نحو ارتفاعات جديدة. ومع ذلك، كانت المفاجأة أن الذهب لم يستجب بشكل مباشر لمعظم هذه الأحداث كما كان متوقعاً. 

 

بالعكس، الذهب حقق ارتفاعاً تاريخياً غير مسبوق في 2025، ليس فقط بسبب شدة الأحداث، بل لأن تلك الأحداث كانت مُسعّرة مسبقاً في السوق، وجرى تداولها حتى قبل وقوعها. الذهب أنهى العام بارتفاع يقارب +64٪، وهو أفضل أداء سنوي منذ عام 1979، مع وصول السعر إلى مستويات قياسية تجاوزت 4,500 دولار للأونصة في ديسمبر.


ولنأخذ لحظة لنفكر:
هناك أحداث سياسية قوية طوال العام – البعض قد يرى أنها كانت كافية لإحداث صدمة في الأسعار.
ومع ذلك، الذهب ظل في اتجاه صاعد قوي حتى من دون رد فعل حاد لكل خبر سياسي.
لماذا؟ لأن السوق كانت قد ضمّنت بالفعل معظم هذه الأخطار في الأسعار قبل أن تحدث فعلاً.
بل إن بعض التحركات التي كانت تبدو واضحة بسبب السياسة – مثل خفض أو تثبيت أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي – لم تُحدث تغييراً واضحاً في اتجاه الذهب بالقدر المتوقع. فحتى عندما كانت هناك توقعات بخفض الفائدة أو إشارات من الفيدرالي حيال السياسة النقدية، ظلت قوة الذهب أكثر ارتباطاً بالعاطفة الجماعية وسلوك المستثمرين تجاه المخاطر أكثر من ارتباطها بالبيانات الرسمية نفسها. 

 

إذا ألقينا نظرة على الأسعار خلال عام 2025 نلاحظ شيئاً لافتاً:
الذهب لم يرتفع فقط عند كل خبر سياسي، لكن معظم ارتفاعاته كانت خلال فترات هدوء نسبي في الأخبار، ما يوضح أن الأسواق كانت تتفاعل مع تراكم المخاوف الاقتصادية العالمية عامة، لا فقط مع الأحداث السياسية الأخيرة. 

 

وبينما يتداول المستثمرون الأسعار في مطلع 2026، لا يزال الذهب يتحرك بالقرب من مستويات عالية جداً – يتراوح حول 4,300–4,400 دولار للأونصة رغم وجود توقعات متفاوتة حول خفض الفائدة أو تثبيتها!

 

* نور البيطار محللة أسواق مالية تعمل في شركة ACY Securities Mena

 

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/11/2026 12:29:00 PM
في مراحل مختلفة، لجأ حزب الله،  إلى الجالية اللبنانية الواسعة في أميركا اللاتينية للحصول على الدعم
لبنان 1/10/2026 11:53:00 PM
هزة أرضية شعر بها سكان بيروت
حارس مادورو: "في لحظة ما، أطلقوا شيئاً لا أعرف كيف أصفه، كان يشبه موجة صوتية مكثفة للغاية، شعرت فجأة وكأن رأسي ينفجر من الداخل"